ارتفاع معدلات التضخم يثقل كاهل الأسر الأميركية
كشفت بيانات مكتب الإحصاء الأميركي عن ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى مستويات ملحوظة خلال الشهر الماضي، مدفوعاً بصعود أسعار النفط بنسب كبيرة منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الصحية بدرجات متفاوتة قلبت موازين الميزانيات العائلية. وسجلت أسعار الإيجارات في المدن الكبرى ارتفاعاً لافتاً خلال الفترة نفسها، ما ضاعف الأعباء المالية على العائلات من ذوي الدخل المحدود التي تنفق حصة كبيرة من دخلها الشهري على الغذاء والسكن والمواصلات والرعاية الصحية.
ويعزو محللون اقتصاديون هذا الضغط المتزايد إلى تداخل عوامل محلية وخارجية عدة، أبرزها اضطراب سلاسل الإمداد العالمية بعد أزمات سنوات سابقة لم تنتهِ تداعياتها، وارتفاع كلفة الطاقة الذي انعكس مباشرة على سلة المستهلك اليومية في مختلف الولايات الأميركية. وتشير التوقعات إلى استمرار حالة عدم الاستقرار هذه ما لم تتدخل الجهات المعنية بسياسات نقدية ومالية مدروسة تستهدف كبح جماح الأسعار وتخفيف وطأة الأزمة على المواطنين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقرار سوق العمل ومعدلات التشغيل التي تشكل مصدر الأمان الرئيسي للأسر.
تداعيات الحرب الخارجية تثير انقسامات سياسية حادة
لم تحقق العمليات العسكرية التي أعلنتها الإدارة الأميركية ضد إيران أهدافها المعلنة حتى الآن، بل أدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة وانهيار جزئي في البنية التحتية لعدد من مناطق الخليج، فضلاً عن فرض عقوبات متبادلة زادت من تعقيد المشهد الاقتصادي وأربكت حركة التجارة والطاقة. وداخل الحزب الحاكم بدأت أصوات المعارضة ترتفع مطالبة بمراجعة شاملة للسياسة الخارجية، مع تحذير بعض القيادات من تداعيات استمرار التصعيد على الحظوظ الانتخابية ووحدة الصف الداخلي.
كما بدأت بعض الدول الحليفة والإقليمية بالتعبير عن انتقاداتها للنهج الحالي في إدارة الملف، داعية إلى فتح قنوات حوار لإنهاء الأزمة وتجنيب المنطقة مزيداً من التوتر الذي يهدد استقرار أسواق الطاقة. ويعكس هذا الانقسام حالة من عدم الارتياح داخل الأوساط السياسية والاقتصادية التي تخشى أن تتحول هذه الأزمة إلى عبء انتخابي يصعب تداركه في المرحلة المتبقية القصيرة من السباق الرئاسي، في وقت تتسابق فيه المعارضة على توظيف الملفين الاقتصادي والخارجي لتعزيز حظوظها وحشد الأنصار.
محاولات متأخرة لاستعادة الشعبية المفقودة
في مسعى لاستعادة جزء من التأييد المتراجع، أعلنت الإدارة عن حزمة إجراءات اقتصادية تتضمن تخفيضات ضريبية تستهدف شريحة واسعة من المجتمع، وزيادة الدعم المقدم للفئات الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار، مع تعهدات بإنهاء التوتر الخارجي خلال الأشهر الأولى من الولاية الجديدة في حال الفوز. بيد أن خبراء سياسيين واقتصاديين يرون أن هذه الخطوات تأتي في توقيت متأخر للغاية، إذ لم يتبق سوى أسابيع قليلة على موعد الاقتراع لا تكفي لتنفيذ هذه التعهدات بالكامل أو لإحداث تغيير ملموس في مزاج الناخبين.
ويحذر متخصصون في الشؤون المالية من أن خفض الضرائب دون تعويض العجز المتوقع قد يرفع عجز الموازنة إلى أرقام قياسية، ويدفع المصرف المركزي إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، الأمر الذي سينعكس سلباً على أعباء الديون التي تتحملها الأسر ويقوض القدرة الشرائية بشكل كبير. وتظهر الاستطلاعات أن المنافس الرئيسي يتقدم بفارق ملحوظ في عدد من الولايات الحاسمة التي عادة ما تحسم نتائج السباق النهائية، وهو ما يهدد فرص الحصول على ولاية جديدة وقد يجر خلفه خسائر واسعة في المقاعد النيابية.
احتجاجات شعبية متصاعدة تطالب بتغيير المسار
شهد الشهر الماضي مئات الاحتجاجات الشعبية في عشرات الولايات، بمشاركة آلاف المواطنين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والشرائح الاقتصادية، مطالبين بإنهاء الحرب فوراً واتخاذ إجراءات فعالة وعاجلة لخفض أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة والإيجارات التي تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسر. كما دعت منظمات حقوقية دولية إلى محاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا المدنيين جراء العمليات العسكرية، في ظل تقارير مستقلة تتحدث عن أعداد متزايدة من الضحايا في صفوف المدنيين.
وتؤكد استطلاعات الرأي الأخيرة أن غالبية الناخبين ينظرون إلى الحرب على أنها خطأ استراتيجي فاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية في البلاد، مما يزيد الضغوط على صناع القرار لتغيير المسار قبل فوات الأوان وضياع الفرصة تماماً. ويعكس هذا الحراك الشعبي الواسع حالة استياء عامة متراكمة تشكل تحدياً كبيراً أمام أي محاولة لاستعادة الثقة في الفترة القصيرة المتبقية حتى يوم الاقتراع، وسط ترقب المراقبين لمدى قدرة الإدارة على الاستجابة لمطالب الشارع الملحة.
آفاق المرحلة المقبلة بين الترقب والتفاوض
مع اقتراب موعد الانتخابات، تتجه الأنظار نحو قدرة الإدارة على احتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية واستعادة زمام المبادرة في الملف الخارجي، وسط رهان المراقبين على نجاح جهود التهدئة أو استمرار حالة الجمود التي تزيد من حدة المنافسة بين المرشحين. ويبقى المشهد رهين التطورات الميدانية والاقتصادية المقبلة التي سترسم ملامح السباق الرئاسي في أسابيعه الأخيرة، في ظل حالة من الترقب الحذر تسود الأوساط الشعبية والسياسية والإعلامية على حد سواء.
ويجمع محللون على أن أي تحسن ملموس في مؤشرات الاقتصاد أو أي خطوة إيجابية على صعيد إنهاء النزاع قد تقلب موازين السباق بين ليلة وضحاها، بينما يواصل المرشحون تكثيف حملاتهم في الولايات المتأرجحة للحسم في اتجاهات الناخبين المترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد. ويظل السؤال الأبرز حول ما إذا كانت الإجراءات المعلنة كافية لإعادة تشكيل المزاج الشعبي وطمأنة الناخبين، أم أن الوقت أصبح ضيقاً فعلاً أمام أي تصحيح جوهري للمسار قبل يوم الحسم.
