تحذير صندوق النقد من تفاقم الديون الأمريكية والبريطانية
في مقابلة حصرية مع قناة بي بي سي، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة من ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الارتفاع المتصاعد لتكاليف الديون العامة في البلدين، مشيرة إلى أن الصدمات الاقتصادية المتتالية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة دفعت مستويات الديون إلى الارتفاع بشكل خطير خلال فترة وجيزة، على نحو لم يعد ممكناً معه التغاضي عن حجم الأعباء المالية المتراكمة على هذين الاقتصادين الكبيرين.
وأكدت المسؤولة الدولية في حديثها أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل أو الترقب، وأن استمرار المسار الحالي في الاقتراض والإنفاق دون أي ضبط واضح سيقود حتماً إلى عواقب وخيمة لا تقتصر على الولايات المتحدة وبريطانيا وحدهما، بل تمتد تداعياتها إلى الاستقرار المالي العالمي برمته، نظراً إلى المكانة المركزية التي تحتلها السندات الأمريكية والبريطانية بوصفها الملاذ الآمن الذي تعتمد عليه البنوك المركزية وصناديق الاستثمار والمتعاملون في الأسواق.
جذور الأزمة والصدمات الاقتصادية المتتالية
أرجعت مديرة صندوق النقد الدولي تفاقم أزمة الديون إلى سلسلة من الصدمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة والمتراكمة، بدأت بجائحة فيروس كورونا التي دفعت الحكومات إلى ضخ مليارات الدولارات لدعم الأسر والشركات والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي من الانهيار، ثم تلتها أزمة سلاسل الإمداد التي عطلت حركة التجارة العالمية ورفعت أسعار المواد الخام والسلع الاستهلاكية.
وساهمت موجة التضخم العالمي التي لم تشهدها معظم الاقتصادات منذ عقود طويلة في دفع البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة بمعدلات قياسية متتالية ومتسارعة، وهو ما رفع بدوره كلفة خدمة الديون العامة على الحكومات المدينة بشكل كبير وملحوظ، وألقت هذه العوامل مجتمعة عبئاً ثقيلاً على ميزانيات الحكومتين الأمريكية والبريطانية ودفعتهما إلى الاقتراض المتزايد لتغطية العجز المتصاعد في الميزانيات.
وصف جورجيفا للمسار الحالي للديون
استخدمت جورجيفا في تصريحاتها تشبيهاً بليغاً ودقيقاً حين قالت إن الصدمات الاقتصادية دفعت مستويات الديون للارتفاع مثل درج لا يؤدي إلى الجنة، مؤكدة أن المسار التصاعدي الحالي للديون لا يمكن استدامته في الأمدين المتوسط والطويل، وأن الاستمرار فيه دون أي تصحيح جذري سيقود حتماً إلى أزمات اقتصادية عميقة يصعب احتواؤها في وقت لاحق، وقد تنتقل تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي برمته بفعل الترابط الوثيق بين الأسواق.
وأوضحت أن هذا التشبيه يعكس خلاصة تجارب تاريخية متكررة أثبتت دائماً أن تأجيل الإصلاح المالي يزيد من كلفة الحل النهائي ويضيق الخيارات المتاحة أمام الحكومات في المستقبل، ودعت صناع القرار في واشنطن ولندن إلى التعامل مع هذه التحذيرات بكل جدية وعدم اختزالها في مجرد توقعات متشائمة، بل اعتبارها دعوة صريحة وواضحة لاتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية لضمان استدامة المالية العامة في المدى البعيد.
أسباب ارتفاع تكاليف خدمة الديون في البلدين
يعود الارتفاع الكبير في ديون الولايات المتحدة وبريطانيا إلى عوامل متشابكة ومترابطة بعضها مع بعض، في مقدمتها السياسات المالية التوسعية التي اتبعتها الحكومتان خلال فترة الجائحة لإنقاذ الاقتصاد من خطر الانهيار، حيث ضخت كل منهما مليارات الدولارات والجنيهات الاسترلينية في دعم الأسر والشركات المتضررة من تداعيات الإغلاق والتباطؤ الاقتصادي الذي أعقب الجائحة، وهو ما تطلب مستويات غير مسبوقة من الاقتراض الحكومي.
وبالإضافة إلى سياسات الإنفاق التوسعية تلك، رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة عالمياً بشكل كبير في السنوات الأخيرة في مسعى مستمر لاحتواء التضخم المرتفع، إذ رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ عقدين كاملين، ما زاد تكاليف خدمة الديون العامة وهي الفوائد التي تدفعها الحكومات على القروض، حتى تجاوزت تكاليف خدمة الدين في الولايات المتحدة وحدها حاجز التريليون دولار سنوياً.
مطالب صندوق النقد من واشنطن ولندن
طالب صندوق النقد الدولي واشنطن ولندن بوضع خطط مالية واضحة ومتوسطة الأمد تهدف إلى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على تقليص العجز في الميزانيات عبر زيادة الإيرادات الضريبية بشكل عادل ومتوازن وخفض الإنفاق غير الضروري، مع الحرص الشديد على عدم التأثير سلباً على الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع التي عادة ما تكون الأكثر تضرراً من سياسات التقشف.
ودعا الصندوق في توصياته إلى تعزيز التعاون الدولي لتهدئة التقلبات الحادة في أسعار الفائدة العالمية والحد من انتقال الصدمات بين الأسواق المالية، وتقديم الدعم المالي للاقتصادات النامية المتأثرة بارتفاع أسعار الفائدة، كما أوصى بإصلاح الأنظمة الضريبية لضمان العدالة في تحصيل الإيرادات ومنع صور التهرب الضريبي لدى الشركات الكبرى وذوي الدخل المرتفع، وإعادة هيكلة الإنفاق العام لتوجيهه نحو قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.
