في السنوات الأخيرة، تغيرت المفاهيم التقليدية حول الاعتماد على الدعم المالي من الوالدين بشكل كبير، حيث يجد عدد متزايد من الشباب في العشرينات من العمر أنفسهم مضطرين لتحمل كامل تكاليف حياتهم دون الحصول على أي مساعدة من "بنك الأم والأب" كما يُطلق عليه في الثقافة الغربية، وهو المصطلح الذي يشير إلى الاعتماد على الوالدين كمصدر رئيسي للدعم المالي في مراحل الحياة الأولى. ونتيجة لارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص القدرة الشرائية للعائلات نفسها، أصبحت هذه الظاهرة تحولاً اجتماعياً واقتصادياً يهم جيل كامل من الشباب في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المنطقة العربية. وقد سلطت شبكة بي بي سي الضوء على هذه القضية من خلال مقابلات مع ثلاث شباب في العشرينات يروون تجاربهم في العيش دون دعم من والديهم، وكيف يتعاملون مع متطلبات الحياة اليومية من إيجار وطعام وعلاج وتكاليف تعليم.
ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص قدرة الوالدين على الدعم
لم يعد الاعتماد على الوالدين في تغطية تكاليف الحياة خياراً متاحاً لكثير من الشباب كما كان الحال في الأجيال السابقة، حيث تعاني العائلات نفسها من ضغوط اقتصادية كبيرة ناتجة عن ارتفاع أسعار الإيجار والغذاء والوقود والخدمات الصحية والتعليمية. ووفقاً لتقارير اقتصادية حديثة، ارتفعت تكاليف المعيشة في معظم الدول العربية بنسبة تزيد عن 20% خلال السنوات الخمس الماضية، بينما لم ترتفع الرواتب بنفس المعدل، مما أدى إلى تقليص الفائض المالي لدى العائلات الذي كان يمكنها من تقديم دعم لأبنائها. وبهذا، يجد الشباب أنفسهم مجبرين على الدخول إلى سوق العمل في سن مبكرة، وتحمل أعباء مالية كانت تقع على عاتق الوالدين في السابق.
تجارب ثلاث شباب يروون معاناتهم ونجاحاتهم
التقى فريق بي بي سي نيوز بثلاث شباب في العشرينات من العمر، كل منهم لديه قصة مختلفة في التعامل مع الحياة دون دعم من والديهم. الأول، شاب يبلغ من العمر 24 عاماً، يعمل في وظيفة جزئية في مجال التصميم الجرافيكي، ويقوم بدفع إيجار شقته وتكاليف دراسته الجامعية بنفسه، حيث يقول: "لم أتلق أي دعم مالي من والديّ منذ أن أكملت الثانوية العامة، واضطررت للعمل في وظائف متعددة لتغطية مصاريفي، وأحياناً أضطر لتأجيل دفع فواتيري إلى الشهر التالي عندما تكون أوقات العمل بطيئة". أما الثانية، فتبلغ 27 عاماً، تعمل كمحاسبة، وادخرت لمدة خمس سنوات لشراء شقة صغيرة دون أن تطلب أي مساعدة من أهلها، وتضيف: "كنت أتمنى أن أتلقى دعماً من والديّ لأساعد في دفعة أولى للشقة، لكنهما كانا يعانيان من مشاكل مالية، فاضطررت للاعتماد على نفسي، والآن أشعر بالفخر لأنني امتلك منزلي بنفسي". أما الثالث، شاب يبلغ 26 عاماً، اضطر لتأجيل خطوبته لمدة عامين لأنه لم يكن يمتلك المال الكافي لتغطية تكاليف الزواج دون دعم من والديه، ويقول: "كنت أخطط للزواج في عام 2024، لكنني اكتشفت أن تكاليف الزواج والمنزل الجديد تتطلب مبلغاً كبيراً لا أملكه، ولم أرد أن أطلب من والديّ المال لأنهما لا يملكانه أيضاً، فاضطررت لتأجيل الخطوة".
استراتيجيات الشباب للتغلب على نقص الدعم الأسروي
لم يقف الشباب عاجزين أمام هذه الضغوط، بل طوروا مجموعة من الاستراتيجيات للتغلب على نقص الدعم المالي من العائلة، حيث يفضل الكثير منهم السكن مع أصدقاء أو زملاء في العمل لتقسيم تكاليف الإيجار والفواتير، مما يقلل من الأعباء المالية عليهم. كما يلجأ آخرون إلى العمل في وظائف إضافية أو العمل الحر عبر الإنترنت لزيادة دخله، بينما يعتمد فريق ثالث على تطبيقات وتقنيات جديدة لتوفير المال، مثل تطبيقات تتبع المصاريف، وتطبيقات الشراء الجماعي للحصول على خصومات على السلع والخدمات. وبعض الشباب يلجأ إلى الحصول على قروض دراسية أو قروض صغيرة بدون ضمان من الوالدين، رغم الفوائد العالية التي تتطلبها هذه القروض، من أجل تحقيق أهدافهم مثل إتمام التعليم أو شراء منزل.
الخبراء: هل هذه الظاهرة ستستمر في المستقبل؟
ويشير خبراء الاقتصاد والاجتماع إلى أن هذه الظاهرة لن تكون مؤقتة، بل ستستمر في المستقبل المنظور، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم توفر فرص عمل برواتب كافية للشباب في مراحلهم الأولى من الحياة المهنية. ويقول أحد الخبراء الاقتصاديين: "الأجيال الحالية من الشباب أكثر استقلالية من الأجيال السابقة، وهم مستعدون لتحمل المسؤولية المالية لأنفسهم بدلاً من الاعتماد على والديهم، لكن هذه الاستقلالية تأتي على حساب ضغوط نفسية ومالية كبيرة، حيث يعاني كثير منهم من القلق بسبب عدم القدرة على تغطية مصاريفهم في بعض الأحيان". ويضيف الخبير أن الحكومات يجب أن تتدخل لتقديم دعم للشباب، مثل توفير إسكان شباب بأسعار مخفضة، وقروض حسنة لتمويل التعليم أو بدء المشاريع الصغيرة، لتخفيف الأعباء عن كاهلهم.
التحول الاجتماعي وآفاق المستقبل
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة انهيار الروابط الأسرية، بل هي مجرد تحول في توزيع المسؤوليات المالية بين الأجيال، حيث أصبح الشباب أكثر اعتماداً على أنفسهم لبناء مستقبلهم، بدلاً من انتظار الدعم من والديهم. ورغم أن هذه الاستقلالية تمنحهم شعوراً بالفخر والإنجاز، إلا أنها أيضاً تعرضهم لضغوط كبيرة قد تؤثر على صحتهم النفسية والجسدية إذا لم يتم تقديم الدعم المناسب لهم من قبل الحكومات والمؤسسات المجتمعية.
