أكد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي الشهير تشات جي بي تي، أن شركات التكنولوجيا الرائدة في هذا المجال لا تمتلك كافة الإجابات المتعلقة بوضع السياسات المنظمة لهذه التقنية المتطورة. وجاءت تصريحات ألتمان خلال مقابلة صحفية حديثة، شدد فيها على ضرورة التنسيق الدولي المشترك بين الحكومات والشركات والخبراء الأكاديميين لمواجهة المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن انتشار استخدامات الذكاء الاصطناعي غير المنظم.
##ألتمان يحدد حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الشركات التقنية
وأوضح ألتمان أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية محصورة في نطاق شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبح عنصرا مؤثرا في جميع قطاعات المجتمع الحديث، بدءا من التعليم والصحة وصولا إلى الاقتصاد والأمن القومي. الأمر الذي يجعل من المستحيل على أي جهة واحدة، سواء كانت شركة خاصة أو دولة منفردة، أن تتحمل مسؤولية وضع القواعد المنظمة لهذه التقنية بمفردها دون مشاركة الآخرين.
##مخاطر الذكاء الاصطناعي تتطلب جهودا جماعية لا جهودا فردية
أشار ألتمان إلى أن الشركات التكنولوجية تمتلك خبرات تقنية هائلة، لكنها تفتقر إلى الرؤى الشاملة المتعلقة بالتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للذكاء الاصطناعي على المجتمعات المختلفة حول العالم. فالتحديات التي تطرحها هذه التقنية تتجاوز الحدود التقنية الضيقة لتشمل قضايا أخلاقية وقانونية واجتماعية عميقة تحتاج إلى معالجة جماعية.
ولذلك يرى أن مشاركة جميع الأطراف المعنية باتت ضرورة لا خيارا، بما في ذلك الحكومات الوطنية والمنظمات الدولية والخبراء الأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، في عملية وضع الإطار التنظيمي المناسب الذي يضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنية المتطورة دون الإضرار بمصالح أي من الأطراف.
##التنسيق الدولي هو السبيل الوحيد لإطار تنظيمي عادل وفعال
ودعا ألتمان إلى عقد مؤتمرات دولية دورية تجمع جميع الأطراف المعنية لمناقشة التحديات المشتركة الناتجة عن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ووضع قواعد عالمية موحدة تحدد حدود استخدام هذه التقنية وتضمن عدم استغلالها في أغراض ضارة. ومن بين هذه الأغراض تبرز قضايا التزييف العميق للصور والفيديوهات، وانتهاك خصوصية الأفراد، وتعزيز التحيزات الاجتماعية عبر الخوارزميات الذكية.
وأوضح أن غياب التنسيق الدولي سيؤدي حتما إلى وجود فجوة كبيرة بين الدول المتقدمة التي تمتلك القدرات التقنية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، والدول النامية التي ستكون عرضة لمخاطر هذه التقنية من دون أن يكون لها أي دور في وضع القواعد المنظمة لها. وهو ما سيعمق الفجوة الرقمية بين مختلف مناطق العالم ويوسع هامش التفاوت في الاستفادة من عوائد هذه التقنية.
##دعوات متزايدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي في ظل تسارع وتيرة تطوره
وتأتي تصريحات ألتمان في وقت تشهد فيه صناعة الذكاء الاصطناعي نموا متسارعا بشكل غير مسبوق، إذ تسعى عشرات الشركات الناشئة والكبرى حول العالم إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدما قادرة على أداء مهام معقدة كانت في السابق حكرا على البشر. وقد أثار هذا التسارع مخاوف واسعة بين الخبراء والسياسيين من احتمال استخدام هذه التقنية في أغراض ضارة.
فقد سبق لعدد من الدول، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أن وضعت مسودات قوانين لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الجهود لا تزال فردية ولا تعتمد على تنسيق دولي شامل، مما يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات العالمية التي تطرحها هذه التقنية المتسارعة في تطورها أكثر من قدرة التشريعات المحلية على مواكبتها.
##نحو مستقبل رقمي أكثر أمانا وعدالة
ويؤكد العديد من الخبراء أن دعوة ألتمان إلى التنسيق الدولي تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، إذ لا يمكن أن تكون مهمة تنظيم الذكاء الاصطناعي مسؤولية تقع على عاتق شركات التكنولوجيا وحدها. بل يحتاج الأمر إلى تعاون دولي حقيقي يضمن أن تكون الفوائد المتوقعة من هذه التقنية متاحة لجميع شعوب العالم على نحو عادل ومنصف.
ويبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الدول والجهات المعنية ستتمكن من الوصول إلى توافق دولي شامل بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب. أم أن تباين المصالح بين مختلف الأطراف سيؤدي إلى تأجيل هذه الجهود لسنوات قادمة، في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة تطور هذه التقنية بشكل قد يتجاوز قدرة صناع القرار على المواكبة والتنظيم.
