عاد ملف القاصرين غير المصحوبين بذويهم في مدينة سبتة المتنازع عليها بين المغرب وإسبانيا إلى الواجهة من جديد، بعد تصريحات رسمية مغربية أكدت استعداد الرباط لاستقبال جميع القاصرين غير المصحوبين بذويهم الموجودين حالياً في المدينة، في مقابل اتهامات إسبانية للمغرب بعدم التعاون الكافي في هذا الملف الإنساني الحساس.
أصل الخلاف: تصريحات مغربية وردود فعل إسبانية
أعلنت وزارة الشؤون الخارجية المغربية في تصريح رسمي مؤخراً أن المملكة مستعدة تماماً لاستعادة جميع القاصرين غير المصحوبين بذويهم الموجودين في سبتة، مشددة على أن هؤلاء القاصرين هم مواطنون مغاربة أو من جنسيات أخرى كانوا قد عبروا إلى المدينة عبر الأراضي المغربية، وبالتالي فإن مسؤولية سلامتهم تقع على عاتق الرباط وفق القوانين الدولية. لكن الجانب الإسباني رد بتصريحات لوزير الداخلية الإسباني قال فيها إن المغرب لا يتعاون بشكل كافٍ في هذا الملف، مشيراً إلى أن عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم في سبتة تجاوز 1200 قاصر حتى منتصف عام 2023، وأن المغرب يرفض قبول إعادة أكثر من بضع عشرات منهم شهرياً، مما أدى إلى ازدحام مراكز استقبال القاصرين في المدينة وتدهور الظروف المعيشية لهم.
الإطار القانوني الذي يحكم القضية
يمثل مصير هؤلاء القاصرين تحدياً قانونياً معقداً، حيث يحكمه عدة إطارات قانونية متداخلة، أبرزها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تلتزم بها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والتي تنص على أن مصلحة الطفل الفضلى هي المعيار الأساسي في جميع الإجراءات المتعلقة به، بما في ذلك إجراءات الهجرة وإعادة القاصرين. بالإضافة إلى ذلك، هناك اتفاقية ثنائية بين المغرب وإسبانيا موقعة عام 1992 تنظم حركة الأشخاص بين البلدين، وتحدد إجراءات إعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم إلى بلدهم الأصلي أو إلى الدولة التي كانوا قد قدموا منها. كما أن القانون الأوروبي للجوء والهجرة يلزم إسبانيا بضمان سلامة جميع القاصرين الموجودين على أراضيها، بغض النظر عن جنسيتهم، ويمنع إعادة أي قاصر إلى دولة قد يتعرض فيها لخطر العنف أو الاستغلال.
تحديات تواجه إعادة القاصرين
يشير الخبراء في مجال حقوق الطفل إلى أن إعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم إلى المغرب لا يمكن أن تتم بشكل عشوائي، بل يجب أن تخضع لتقييم دقيق لوضع كل قاصر على حدة، للتأكد من أن إعادته لن تعرضه لخطر الاستغلال أو العنف أو الانضمام إلى عصابات التهريب. كما أن هناك تحدياً آخر يتمثل في صعوبة تحديد جنسية بعض القاصرين، حيث إن العديد منهم يأتون من دول أفريقية جنوب الصحراء، ولا يحملون وثائق هوية، مما يصعب من عملية إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. يضاف إلى ذلك أن المنظمات الحقوقية الدولية تحذر من أن إعادة القاصرين إلى المغرب قد يعرضهم لخطر الترحيل غير القانوني إلى دول أخرى، أو للعمل في ظروف استغلالية.
مستقبل الملف
لا تزال المفاوضات بين المغرب وإسبانيا حول هذا الملف مستمرة، حيث أكد الجانبان في عدة مناسبات أنهما يسعيان إلى إيجاد حل توافقي يضمن حقوق القاصرين ويحقق مصالح البلدين. لكن الخبراء يشيرون إلى أن الحل النهائي لهذه الأزمة يتطلب تعاوناً دولياً أوسع، حيث إن أصول القاصرين تأتي من عشرات الدول الأفريقية، ولا يمكن للمغرب أو إسبانيا حل المشكلة بدون دعم من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الطفل والهجرة.
يظل ملف القاصرين في سبتة واحداً من أبرز ملفات الهجرة المثيرة للجدل بين المغرب وإسبانيا، حيث تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والقانونية والإنسانية، ويبقى مصير مئات القاصرين غير المصحوبين بذويهم معلقاً حتى يتم التوصل إلى اتفاق كامل يضمن كافة حقوقهم ولا يعرضهم لأي مخاطر.
