طموح صيني لقيادة عالم الذكاء الاصطناعي
تسعى الصين حاليًا لتحقيق هدف استراتيجي وطني يتمثل في تصدر قائمة الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا بحلول عام 2030، ولهذا الهدف تستثمر البلاد مئات المليارات من الدولارات في بناء بنية تحتية رقمية ضخمة تدعم هذا الطموح، كجزء من خطة «صناعة في الصين 2025» الشاملة التي تهدف إلى تحقيق السيادة التقنية في جميع المجالات المتقدمة. وفي قلب هذه الاستثمارات تقع عشرات مراكز البيانات الجديدة التي تُبنى حاليًا في منطقة منغوليا الداخلية النائية في شمال الصين، والتي توفر القدرة الحاسوبية الهائلة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة وتدريبها على كميات هائلة من البيانات.
نظرة نادرة إلى غرف المحركات التي تشغل المراكز
حصلت شبكة بي بي سي على إذن نادر لدخول هذه المنطقة النائية، لتكون أول وسيلة إعلامية غربية تتجول بين مواقع البناء وتشاهد عن قرب غرف المحركات التي تعد شريان الحياة لهذه المراكز الرقمية العملاقة. وتظهر الصور واللقطات التي تم التقاطها عشرات الآلاف من الأجهزة الإلكترونية التي تعمل على مدار الساعة دون انقطاع، مدعومة بأنظمة طاقة احتياطية ضخمة تضمن استمرار التشغيل حتى في حال انقطاع التيار الكهربائي الرئيسي. وقد لاحظت الشبكة أن معظم العمال في هذه المراكز من الشباب المؤهلين تقنيًا، الذين تم تدريبهم في برامج حكومية متخصصة لتشغيل وصيانة هذه الأنظمة المعقدة، مما يعكس الاستراتيجية طويلة الأمد للصين في بناء كوادر بشرية محلية مؤهلة في مجال التكنولوجيا المتقدمة. وتؤكد التقارير أن كل واحدة من هذه المراكز تستهلك كمية طاقة تعادل ما يستهلكه مدينة صغيرة كاملة، نظرًا للاحتياج الهائل للطاقة لتشغيل الخوادم وتبريدها باستمرار.
عوامل اختيار منغوليا الداخلية كمركز لمراكز البيانات
لم تكن منطقة منغوليا الداخلية خيارًا عشوائيًا لبناء هذه المراكز الضخمة، بل جاء الاختيار بناءً على مجموعة من العوامل الجغرافية والاقتصادية المثالية. أول هذه العوامل هو المناخ البارد جدًا في المنطقة طوال العام، حيث تصل درجات الحرارة في الشتاء إلى ما دون الصفر لعدة أشهر، مما يقلل بشكل كبير من تكلفة تبريد خوادم البيانات التي تنتج كمية هائلة من الحرارة أثناء عملها، ويوفر مئات الملايين من الدولارات سنويًا في تكاليف التشغيل. بالإضافة إلى ذلك، تتوفر في المنطقة مساحات شاسعة من الأراضي المنخفضة التكلفة المناسبة لإنشاء مراكز بيانات ضخمة تمتد على مساحات تصل إلى مئات الآلاف من الأمتار المربعة. كما أن المنطقة تتمتع بتوفر مصادر طاقة رخيصة ومستقرة، سواء كانت من المصادر الأحفورية أو من المصادر المتجددة كطاقة الرياح والشمس التي تتوفر بكثرة في السهوب الواسعة للمنطقة. وفضلًا عن ذلك، تتمتع منغوليا الداخلية بموقع استراتيجي قريب من مراكز التصنيع الرئيسية في شمال الصين، مما يسهل نقل الخوادم ومكونات البنية التحتية الرقمية بسرعة وتكلفة منخفضة، كما أن الحكومة المحلية تقدم حوافز ضريبية كبيرة للشركات التي تستثمر في بناء مراكز البيانات في المنطقة.
الفوائد الاقتصادية المحلية لمراكز البيانات في منغوليا الداخلية
لا تقتصر فوائد هذه المشاريع الضخمة على تعزيز القدرات التقنية الصينية فحسب، بل تمتد إلى تنمية المنطقة المضيفة نفسها، التي كانت تعاني في السابق من بطالة عالية بين الشباب وهجرة كبيرة للسكان نحو المراكز الحضرية الساحلية. فقد خلق بناء وتشغيل هذه المراكز آلاف الوظائف الدائمة والمؤقتة للعمال المحليين، من مهندسي تكنولوجيا المعلومات إلى عمال الصيانة والخدمات المساندة. كما أدت الاستثمارات في البنية التحتية الداعمة لهذه المراكز، كشبكات الطرق والاتصالات السريعة، إلى تحسين مستوى الخدمات في جميع أنحاء المنطقة، واجتذب استثمارات إضافية في مجالات أخرى كالزراعة المتقدمة والسياحة الرقمية. وقد وضعت الحكومة الصينية خطط لتحويل منغوليا الداخلية إلى مركز إقليمي للابتكار الرقمي خلال السنوات القادمة، مما سيرفع مستوى الدخل للسكان المحليين ويقلل الفجوة الاقتصادية بين المناطق الداخلية والساحلية.
تأثير البنية التحتية على المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي
تُمثل هذه الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات نقلة نوعية في قدرة الصين على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي محليًا، وتقلل من اعتمادها على البنية التحتية الرقمية الأجنبية. وبهذه القدرة الحاسوبية الهائلة، تتمكن الشركات الصينية والأكاديميون من تدريب نماذج ذكاء اصطناعي محلية ضخمة تنافس النماذج الغربية الرائدة في مجالات فهم اللغة الطبيعية، الرؤية الحاسوبية، وتحليل البيانات الضخمة. وتسمح هذه القدرة أيضًا للصين بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، الزراعة، والطاقة المتجددة، مما سيمكنها من تصدير حلول ذكاء اصطناعي مخصصة للدول النامية في آسيا وأفريقيا، مما يعزز من نفوذها التقني والاقتصادي عالميًا. ومن المتوقع أن تسرّع هذه الاستثمارات من وتيرة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، وتجعلها منافسًا مباشرًا للولايات المتحدة والدول الأوروبية الرائدة في المجال، في سباق عالمي لا يتوقف على الهيمنة التقنية في هذا المجال الحيوي الذي سيحدد ملامح الاقتصاد والمجتمع في العقود القادمة.

