لماذا اختارت الصين منغوليا الداخلية لمراكز بياناتها؟

تعتمد الصين في اختيار منطقة منغوليا الداخلية النائية موقعاً لمراكز البيانات الضخمة على عوامل اقتصادية وتقنية رئيسية، أبرزها البرودة الشديدة التي تسود المنطقة معظم أيام السنة، وهي التي تقلل بشكل كبير من تكاليف تبريد الخوادم الضخمة التي تعمل في هذه المراكز، إذ تشكل تكاليف التبريد ما يصل إلى أربعين في المئة من إجمالي تكاليف التشغيل.

وانخفاض درجات الحرارة المتوسطة في المنطقة يسمح باستخدام تقنيات التبريد الخارجي الطبيعي لفترات طويلة من السنة، الأمر الذي يحسن كفاءة استخدام الطاقة الإجمالي ويقلل الاستهلاك الطاقي. وتوفر المنطقة مساحات شاسعة من الأراضي بأسعار منخفضة جداً مقارنة بالمدن الصينية الكبرى، مع وصول إلى كهرباء رخيصة من احتياطيات الفحم الكبيرة ومشاريع الطاقة المتجددة.

سباق تقني محتدم مع واشنطن

تأتي هذه الخطوة في إطار السباق المحتدم بين الصين والولايات المتحدة للسيادة على مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يعتبره البلدان مفتاح القوة الاقتصادية والعسكرية في العقود القادمة، إذ تمثل مراكز البيانات العمود الفقري لهذا المجال الذي يتطلب قدرات حوسبة هائلة.

تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على البنية التحتية الغربية في هذا المجال وبناء قدراتها الذاتية لضمان أمنها التقني، خاصة في ظل القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على تصدير الشرائح الإلكترونية المتقدمة والتقنيات الحساسة إلى بكين. وأعلنت الصين عن خططها للريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، ويعد بناء مراكز البيانات الضخمة خطوة أساسية لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.

استثمارات ضخمة تدعم الطموح التقني

يستفيد القطاعان الخاص والحكومي في الصين من هذه الاستثمارات لتسريع أبحاث التعلم العميق ومعالجة اللغة الطبيعية والرؤية الحاسوبية وغيرها من التطبيقات التي تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات وموارد الحوسبة المتوازية في آن واحد، مما يعزز مكانة بكين في مضمار التنافس التكنولوجي العالمي.

وتعمل الحكومة المحلية في منغوليا الداخلية على تقديم حوافز ضريبية ودعم لوجستي واسع للشركات التي تنشئ مراكز بيانات في المنطقة، مما جعلها وجهة جذابة لشركات التكنولوجيا الحكومية والخاصة على حد سواء، في مشروع يعكس التزام بكين ببناء بنية تحتية مستقلة قادرة على دعم الطموحات الوطنية.

تحديات تواجه المشروع

على الرغم من السرعة الكبيرة في إنشاء هذه المراكز إلا أن ثمة تحديات عدة تواجه المشروع، أبرزها نقص العمالة المتخصصة في مجال تقنية المعلومات في المنطقة النائية، مما يتطلب جذب خبراء من المدن الكبرى أو تدريب كوادر محلية عبر برامج شراكة مع الجامعات والمعاهد التقنية.

كما يطرح بعد المنطقة عن المراكز السكانية الرئيسية تحديات تتعلق بنقل البيانات بسرعة وأمان، فتحتاج المراكز إلى اتصالات فائقة السرعة لنقل كميات هائلة من البيانات إلى المستخدمين النهائيين، وهنا تلعب استثمارات الألياف البصرية دوراً حاسماً في تقليل زمن الاستجابة وضمان موثوقية النقل.

الأثر البيئي والنظرة المستقبلية

يثير الاعتماد الكبير على طاقة الفحم تساؤلات حول الأثر البيئي لهذه المشاريع، لذلك تعمل الجهات المختصة على زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المستخدمة وتحسين كفاءة الاستخدام عبر اعتماد تقنيات التخزين وأنظمة إدارة الطلب.

مع استمرار نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي وزيادة تعقيد النماذج، يتوقع أن يرتفع الطلب على قدرة الحوسبة بشكل مطرد، مما يدفع إلى توسيع المراكز الحالية وإنشاء منشآت جديدة. وقد يصبح نجاح تجربة منغوليا الداخلية مرجعاً للمناطق الأخرى الساعية إلى الاستفادة من المزايا الطبيعية والبنية التحتية منخفضة التكلفة. وفي ظل استمرار المنافسة مع الولايات المتحدة، تبقى البنية التحتية المستقلة القوية هدفاً استراتيجياً للصين لضمان سيادتها التكنولوجية.