يشهد العالم اليوم سباقاً محتدمًا بين القوى الكبرى للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعتبر المحرك الأساسي للتطور الاقتصادي والعسكري في القرن الحادي والعشرين، وتتصدر الصين والولايات المتحدة هذا السباق بقوة، حيث تعتمد كل دولة منهما على بنيتها التحتية الرقمية لتحقيق أهدافها في هذا المجال. وفي هذا السياق، كشف تقرير حديث لـ بي بي سي عن النمو المتسارع لمراكز البيانات العملاقة في الصين التي تنشأ بسرعة قياسية لتدعم طموحات بكين في الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على منطقة منغوليا الداخلية التي تمثل موقعاً غير متوقع لهذه المشاريع الضخمة.

منغوليا الداخلية: جبهة غير متوقعة للسباق التكنولوجي

عادة ما ترتبط منطقة منغوليا الداخلية في أذهان الناس بالمساحات الشاسعة من الأراضي الرعوية والمناخ البارد القارس، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم المراكز العالمية لبناء مراكز البيانات العملاقة، وذلك لعدة أسباب رئيسية. أولها أن المناخ البارد في المنطقة يقلل بشكل كبير من تكاليف تبريد الخوادم التي تولد كمية هائلة من الحرارة أثناء عملها، مما يقلل من فواتير الطاقة بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالمناطق ذات المناخ الدافئ. ثانيها أن المساحات الشاسعة المتاحة في المنطقة تسمح ببناء مراكز بيانات ضخمة بمساحات تصل إلى مئات الآلاف من الأمتار المربعة دون الحاجة إلى دفع تكاليف باهظة للأراضي. وقد اختارت بي بي سي هذه المنطقة لتغطية نمو مراكز البيانات الصينية، كونها تمثل نموذجاً واضحاً للاستراتيجية الصينية في تطوير بنيتها التحتية الرقمية في الأماكن التي تتمتع بميزات تنافسية فريدة.

نمو بسرعة "صينية" غير مسبوقة

تشير الإحصائيات الرسمية الصينية إلى أن عدد مراكز البيانات العملاقة في البلاد ارتفع من أقل من 100 مركز في عام 2015 إلى أكثر من 600 مركز في عام 2024، مع خطط لبناء مئات أخرى بحلول عام 2030. وتتميز وتيرة البناء في الصين بسرعتها الفائقة، حيث يمكن بناء مركز بيانات عملاق بالكامل في غضون 6 إلى 8 أشهر فقط، بينما تستغرق عملية بناء مثل هذه المراكز في الولايات المتحدة ما بين عامين وثلاثة أعوام. ويعزى هذا التفاوت في السرعة إلى الدعم الحكومي المباشر الذي تحظى به هذه المشاريع في الصين، حيث تقوم الحكومة بتخصيص الأراضي وتسهيل الإجراءات البيروقراطية وتقديم إعانات مالية للشركات العاملة في هذا المجال. كما أن الشركات الصينية الخاصة مثل علي بابا وتينسنت وبايدو تستثمر مليارات الدولارات في بناء مراكز البيانات الخاصة بها لدعم خدماتها الرقمية المتنوعة وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية.

التحديات التي تواجه المشروع الصيني

على الرغم من النمو المتسارع، تواجه مشاريع مراكز البيانات الصينية عدة تحديات كبيرة، أبرزها استهلاك الكهرباء الهائل. فمركز البيانات الواحد يستهلك كمية كهرباء تعادل ما يستهلكه مدينة صغيرة متوسطة الحجم، وتقدر نسبة استهلاك مراكز البيانات من إجمالي استهلاك الكهرباء في الصين بحوالي 2.5% حالياً، مع توقعات بأن ترتفع هذه النسبة إلى 5% بحلول عام 2030. ويعتمد الجزء الأكبر من الكهرباء المستخدمة في هذه المراكز على الفحم الذي يعد المصدر الرئيسي للطاقة في الصين، مما يثير تساؤلات حول الاستدامة البيئية لهذه المشاريع. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المشاريع تحديات لوجستية في نقل أجهزة الخوادم الضخمة إلى المناطق الداخلية النائية التي توجد فيها معظم مراكز البيانات، بالإضافة إلى نقص العمالة المتخصصة في مجال صيانة وتشغيل هذه المراكز في هذه المناطق.

منافسة محتدمة مع الولايات المتحدة

لا تقف الصين وحدها في سباق بناء مراكز البيانات العملاقة، حيث تمتلك الولايات المتحدة حالياً أكبر عدد من مراكز البيانات في العالم، مع وجود شركات عملاقة مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل التي تستثمر مليارات الدولارات في هذا المجال. لكن الخبراء يشيرون إلى أن وتيرة النمو الصيني أسرع بكثير من وتيرة النمو الأمريكي، وأن الصين قد تتجاوز الولايات المتحدة في عدد مراكز البيانات العملاقة بحلول عام 2027. ويرجع هذا التفوق النسبي للصين إلى قدرتها على تخصيص الموارد بسرعة أكبر، بالإضافة إلى الاستراتيجية الوطنية المنسقة التي تتبعها الحكومة الصينية لدعم قطاع التكنولوجيا الرقمية بشكل عام. لكن الخبراء يحذرون من أن المنافسة بين البلدين قد تؤدي إلى تقسيم الإنترنت العالمي إلى شبكتين منفصلتين، مما يؤثر على حرية تدفق البيانات والابتكار التكنولوجي العالمي.

انعكاسات السباق على موازين القوى العالمية

ويشير الخبراء إلى أن نجاح الصين في بناء بنيتها التحتية الرقمية بسرعة قياسية سيمنحها ميزة تنافسية كبيرة في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث تعتبر مراكز البيانات العملاقة الركيزة الأساسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة التي تحتاج إلى كميات هائلة من قوة الحوسبة. وإذا تمكنت الصين من تحقيق أهدافها في هذا المجال بحلول عام 2030، فإنها ستتمكن من المنافسة بقوة على الصعيد العالمي في جميع المجالات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من الصناعة إلى الرعاية الصحية إلى الأمن القومي، مما سيعيد تشكيل موازين القوى التكنولوجية العالمية في السنوات القادمة.