كشف الاجتماعات السرية بين الجامعات وشركة الأسلحة
أظهر تحقيق إعلامي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي مؤخرا أن ثماني جامعات بريطانية على الأقل عقدت اجتماعات مغلقة مع شركة الأسلحة العملاقة بي إيه إي سيستمز خلال الأشهر الأخيرة، وتبادلت معها معلومات تفصيلية عن الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين التي انتشرت داخل الحرم الجامعي عقب تصاعد الأحداث في قطاع غزة خلال أكتوبر الماضي، في خطوة أثارت تساؤلات كثيرة حول حدود التعاون بين المؤسسات الأكاديمية وشركات التصنيع العسكري.
وكانت هذه الاحتجاجات قد شهدت إقبالا واسعا من الطلاب البريطانيين من مختلف الخلفيات السياسية والثقافية، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بوقف جميع صفقات بيع الأسلحة لإسرائيل ومراجعة علاقات الجامعات مع الشركات العاملة في المجال العسكري، دون أن تشهد أي من هذه الوقائع أعمال عنف أو تخريب يذكر وفقا لتقارير الشرطة المحلية التي وثقت سلمية هذه التحركات الطلابية.
انتقادات واسعة لتهديد الحرية الأكاديمية
أثار الكشف عن هذه الاجتماعات موجة عارمة من الانتقادات من جانب جمعيات أكاديمية ونقابات طلابية متعددة، التي اعتبرت أن مشاركة الجامعات لمعلومات عن احتجاجات سلمية ينظمها طلابها مع شركة مصنعة للأسلحة التي تستخدم في نزاعات مسلحة يعد انتهاكا صريحا لحرية التعبير الأكاديمية، ويهدف إلى ترهيب الطلاب ومنعهم من التعبير عن آرائهم السياسية والإنسانية بحرية تامة داخل حدود الحرم الجامعي.
وأكدت الجمعية الوطنية للأساتذة الجامعيين في بريطانيا أن الجامعات يجب أن تظل مساحة حرة وآمنة للتعبير عن الآراء المتباينة، ولا يجوز أن تتحول إلى أداة لخدمة مصالح شركات كبرى ذات أهداف ربحية، خاصة إذا كانت هذه الشركات متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان وفق تقارير حقوقية مستقلة صدرت عن منظمات دولية معروفة بمصداقيتها في هذا المجال.
ردود الفعل الرسمية وتأكيدات على استقلالية الجامعات
قالت شركة بي إيه إي سيستمز في بيان رسمي صدر عنها أن الاجتماعات مع الجامعات كانت مجرد تبادل للمعلومات العامة حول إجراءات السلامة والأمن في المناطق القريبة من مرافقها، وإنها لم تطلب أي معلومات سرية عن الطلاب أو المنظمين للاحتجاجات ولا تتدخل بأي شكل من الأشكال في الشؤون الداخلية للجامعات أو في أنشطتها الطلابية.
من جانبها رفضت معظم الجامعات المعنية التعليق بشكل مبدئي على هذه التقارير، مكتفية بالقول إنها تتعاون مع جميع الأطراف ذات الصلة لضمان سلامة الحرم الجامعي وحقوق جميع أفراده من طلاب وأساتذة وموظفين، فيما أكدت بعض الجامعات في تصريحات لاحقة أن جميع المعلومات التي تم تبادلها مع الشركة كانت ضمن الإطار القانوني ولم تمس بحقوق الطلاب في التعبير عن آرائهم.
موجة احتجاجات طلابية جديدة للمطالبة بالشفافية
في غضون ذلك، أعلنت نقابات الطلاب البريطانية عن تنظيم سلسلة من الوقفات الاحتجاجية أمام مقرات جميع الجامعات المعنية بالاجتماعات، للمطالبة بالشفافية الكاملة في علاقاتها مع شركات الأسلحة، وكشف كافة التفاصيل المتعلقة بالمعلومات المتبادلة مع بي إيه إي سيستمز، ووضع ضوابط واضحة تمنع تكرار مثل هذه الاجتماعات دون علم الطلاب أو ممثليهم المنتخبين.
وأكد منظمو هذه الوقفات أن مطالبهم لا تقتصر على كشف التفاصيل فحسب، بل تمتد إلى المطالبة بمراجعة شاملة لجميع اتفاقيات التعاون والتمويل الموقعة بين الجامعات وشركات التصنيع العسكري، على اعتبار أن استقلالية المؤسسات التعليمية يجب أن تكون محمية من أي تدخل خارجي قد يمس بحيادها الأكاديمي أو بقدرتها على توفير بيئة حرة للبحث والنقاش.
تداعيات الكشف على مستقبل العلاقة بين الشركات والجامعات
يشير محللون متخصصون في شؤون التعليم العالي إلى أن هذا الكشف يفتح ملف النفوذ المتزايد للشركات الكبرى على القطاع الأكاديمي في بريطانيا، خاصة في مجال الأبحاث التي تمولها هذه الشركات، حيث قد تفرض شروطا محددة على الجامعات مقابل التمويل تصل إلى حد تقييد حرية البحث العلمي في مجالات تتعارض مع مصالحها التجارية أو العسكرية، وهو ما يثير قلقا متزايدا لدى الأوساط الأكاديمية.
وأطلقت جمعيات حقوقية بريطانية حملة وطنية واسعة لتشديد الرقابة على علاقات الجامعات مع الشركات المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان، مطالبة بفرض عقوبات رادعة على أي جامعة تثبت إدانتها بتقديم معلومات عن طلابها لجهات ذات أهداف ربحية أو عسكرية، وبسن قوانين أكثر صرامة تنظم العلاقات بين الجامعات والشركات الممولة لضمان حماية استقلالية البحث والتعليم في نهاية المطاف.
