تحذير استخباراتي جديد يثير قلق العواصم الأوروبية

في تطور أمني جديد يزيد من مخاوف الغرب من التوسع الروسي في العمليات العسكرية غير المباشرة، كشفت صحيفة «إل موندو» الإسبانية عن تحذير سري أرسلته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» إلى عدة حكومات أوروبية، من وجود خطة روسية محتملة لشن هجمات بطائرات مسيرة على أراضي ثلاث دول غربية كبرى هي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا. وجاء هذا التحذير في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد التوتر بين موسكو والغرب على خلفية استمرار الحرب في أوكرانيا.

وأكدت المصادر التي استندت إليها الصحيفة أن المعلومات الاستخباراتية الأميركية تتسم بدرجة عالية من الموثوقية، وأن الوكالة أوصت الحكومات الأوروبية المعنية بتعزيز إجراءات الأمن الجوي والاستعداد لاحتمالية وقوع هجمات مفاجئة في أي وقت، مما يعكس جدية التهديد الروسي المحتمل في نظر أجهزة الاستخبارات الغربية.

مصادر المعلومات وطبيعة الخطة الروسية المحتملة

أوضحت المصادر الدبلوماسية والأمنية أن التحذير الأميركي تضمن معلومات حول نية روسيا تنفيذ عمليات عسكرية بطائرات مسيرة دون طيار تستهدف على وجه التحديد الأراضي الإسبانية أو الفرنسية أو الإيطالية، مع الإشارة إلى أن موسكو تمتلك بالفعل قدرات على نشر هذه المسيرات انطلاقاً من قواعد عسكرية في شمال أفريقيا، أو حتى من سفن مدنية مموهة تعمل في البحر المتوسط.

وأشارت المعلومات إلى أن روسيا قد تعتمد على أسراب من المسيرات الصغيرة والمتوسطة التي يصعب رصدها بالرادارات التقليدية، مما يزيد من تعقيد عمليات الرصد المبكر ويرفع احتمالية اختراق المجال الجوي الأوروبي دون إنذار مسبق، في سيناريو يشكل تحدياً كبيراً لأنظمة الدفاع الجوي الحالية في جنوب القارة الأوروبية.

لماذا هذه الدول الثلاث بالذات؟

تشكل الدول الثلاث المستهدفة بالتحذير عماد الدعم الغربي لأوكرانيا منذ انطلاق الحرب عام 2022، إذ تعد من أكبر المانحين للمساعدات العسكرية والمالية واللوجستية لكييف بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث تجاوزت قيمة المساعدات الإسبانية ملياري يورو، بينما زودت فرنسا أوكرانيا بأسلحة ثقيلة وأنظمة دفاع جوي متطورة، وقدمت إيطاليا أنظمة دفاع وصواريخ مضادة للدروع ومعدات لوجستية متقدمة.

كما أن هذه الدول الثلاث أعضاء فاعلون في حلف شمال الأطلسي، وهو ما يجعل أي هجوم على أراضيها تصعيداً خطيراً قد يجر الحلف إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، ويرى خبراء أمنيون أن موسكو قد تسعى عبر هذه الهجمات المحتملة إلى الضغط على هذه الحكومات لوقف دعمها لأوكرانيا أو إثارة الذعر بين مواطنيها وزعزعة الاستقرار الداخلي.

ردود الفعل الأوروبية وإجراءات الاستعداد

أفادت مصادر دبلوماسية أن الحكومات الثلاث لم تكشف علناً عن تلقيها التحذير الأميركي، لكنها بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات استعدادية سرية تشمل تعزيز الرقابة على المجال الجوي في المناطق الساحلية والبحرية، وزيادة التنسيق بين أجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات للتصدي لأي محاولات اختراق محتملة.

وفي السياق ذاته، أعلن حلف الناتو عن تكثيف الدوريات الجوية والبحرية في منطقة البحر المتوسط جنوب أوروبا لمراقبة أي تحركات مشبوهة، مع تنسيق هذه الإجراءات مع أنظمة الإنذار المبكر المشتركة بين دول الحلف لضمان سرعة الاستجابة لأي هجوم محتمل، في خطوة تعكس مدى الجدية التي تتعامل بها العواصم الأوروبية مع هذا التهديد.

سياق متصاعد وسوابق سابقة في الحرب الأوكرانية

يأتي هذا التحذير الأميركي في وقت تصاعدت فيه المخاوف الأوروبية من استخدام روسيا لأسلحة غير تقليدية في صراعها مع الغرب، بعد أن أثبتت موسكو قدرتها على توظيف الطائرات المسيرة بكثافة في الحرب الأوكرانية، حيث استهدفت بها البنية التحتية للطاقة والمواقع العسكرية والمدنية على مدى سنوات، مخلفة خسائر بشرية ومادية هائلة.

وكانت أجهزة المخابرات الغربية قد حذرت سابقاً من نية روسيا استخدام هذه القدرات ضد دول أوروبية ضمن حملتها للرد على الدعم الغربي لكييف، خاصة بعد تصريحات مسؤولين روس اعتبروا الدول الداعمة لأوكرانيا عسكرياً أهدافاً مشروعة للعمليات الانتقامية، وهو ما يجعل هذا التحذير الأخير امتداداً لسلسلة المخاوف المستمرة منذ بداية الحرب.

تداعيات محتملة وتأكيد على التنسيق الاستخباراتي

يسلط هذا الإنذار الاستخباراتي الضوء على استمرار التوترات العالية بين روسيا والغرب، ويثير تساؤلات مشروعة حول إمكانية تصعيد العمليات العسكرية الروسية خارج حدود أوكرانيا في الفترة المقبلة، في وقت تسعى فيه الحكومات الأوروبية جاهدة لضمان أمن مواطنيها والحفاظ على استقرار المنطقة ككل.

ويحذر الخبراء الأمنيون من أن أي هجوم ناجح حتى لو كان محدوداً قد يدفع نحو رد فعل غربي واسع يغير طبيعة الصراع بالكامل، مما يجعل من الضروري تواصل التنسيق الاستخباراتي بين الدول الغربية ورفع مستوى الإجراءات الوقائية لتجنب وقوع كوارث محتملة يصعب احتواؤها لاحقاً.