أزمة عميقة تعصف بقطاع السيارات الأوروبي

تواجه صناعة السيارات الأوروبية اليوم أزمة غير مسبوقة دفعت كبرى الشركات إلى إعلان تسريح آلاف العمال وخفض خطط الإنتاج وإغلاق عدد من المصانع القديمة. ويعود سبب هذه الأزمة إلى عوامل متشابكة أبرزها ارتفاع تكاليف الانتقال إلى السيارات الكهربائية التي قدّرتها جمعية المصنعين الأوروبيين بنحو مئة مليار يورو حتى عام ألفين وثلاثين، إلى جانب المنافسة الشديدة من الشركات الآسيوية ولا سيما الصينية التي استحوذت على حصة كبيرة من السوق العالمية بأسعارها المنخفضة وجودتها المتقاربة.

وتتفاقم الأزمة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة في القارة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا وتراجع الطلب المحلي جراء الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها الأسر الأوروبية. وقد أعلنت فولكس فاجن عن خطة لتسريح ثلاثين ألف موظف في ألمانيا خلال السنوات المقبلة، بينما قررت بي إم دبليو إيقاف إنتاج بعض الطرازات في مصنعها بالمملكة المتحدة لتركيز الموارد على تطوير المركبات الكهربائية، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها القطاع.

آمال صناع السيارات في خطة إعادة التسلح الأوروبية

في ظل هذه الأزمة، أعلنت معظم الدول الأوروبية عن خطط طموحة لإعادة تسليح جيوشها ورفع ميزانيات الدفاع إلى مستويات قياسية، إذ تخطط لزيادتها إلى ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر خلال السنوات المقبلة. ويرى صناع السيارات في هذه الخطط فرصة ذهبية لإنقاذ قطاعهم، لأن قطاع الدفاع يحتاج إلى كميات كبيرة من المركبات العسكرية المتنوعة، من سيارات الجيب إلى ناقلات الجنود والمركبات اللوجستية.

كما تمثل التقنيات التي طورتها شركات السيارات للمركبات المدنية ميزة يمكن نقلها مباشرة إلى المجال العسكري، مثل تقنيات القيادة الذاتية وأنظمة البطاريات عالية الأداء والمواد الخفيفة المقاومة للصدمات. وقد أعلنت شركات كبرى مثل رينو وفولكس فاجن وبي إم دبليو استعدادها لتقديم عروض لتوريد هذه المركبات، وبدأ بعضها بتعديل جانب من مصانعه لإنتاج المركبات العسكرية.

عقود دفاعية واعدة تقدر بعشرات المليارات

تقدر قيمة العقود الدفاعية المتوقعة لقطاع السيارات الأوروبي بنحو خمسة وأربعين مليار يورو حتى عام ألفين وثلاثين، وفق تقديرات الاتحاد الأوروبي للدفاع. ومن شأن هذه العقود أن تساعد الشركات على تقليل التكاليف الثابتة وتحسين وضعها المالي المتدهور، إذ أن زيادة الإنتاج الناتجة عن صفقات الدفاع تسهم في تشغيل المصانع بطاقتها القصوى وتوزيع الأعباء على خطوط إنتاج أوسع.

ويرى مراقبون أن دخول شركات السيارات إلى سوق الصناعات الدفاعية يمثل تحولاً استراتيجياً قد يعيد رسم ملامح القطاع في السنوات المقبلة، خاصة أن هذه الشركات تمتلك بنية تحتية صناعية ضخمة وخبرات طولية في التصنيع والتطوير. غير أن هذا التحول يتطلب استثمارات إضافية في تدريب العمال وتعديل خطوط الإنتاج لتتوافق مع المواصفات العسكرية الصارمة.

تحديات قد تعوق الاستفادة من هذه الفرصة

رغم الآمال الكبيرة المعلقة على خطة إعادة التسلح، فإن أمام القطاع تحديات عدة قد تحول دون تحقيق الفوائد المرجوة بالكامل. فإنتاج المركبات العسكرية يتطلب مواصفات وتقنيات مختلفة تماماً عن المركبات المدنية، مما يستدعي استثمارات كبيرة قدرت بنحو مليارين إلى ثلاثة مليارات يورو للشركات الكبيرة، بحسب تقديرات خبراء قطاع الدفاع الأوروبي.

ويحذر بعض الخبراء من أن الطلب على المركبات العسكرية قد لا يكون كافياً لإنقاذ جميع الشركات الأوروبية ولا سيما الصغيرة منها. كما أن الحكومات قد تفرض شروطاً على الشركات الفائزة بالعقود مثل خفض الأسعار أو نقل جانب من التكنولوجيا، ما قد يقلص الأرباح المتوقعة، فضلاً عن خطر اعتماد القطاع على ميزانيات حكومية قد تتغير أولوياتها مستقبلاً.

الحل الجذري يظل في الابتكار والكهربة

تشير التقديرات إلى أن خطة إعادة التسلح قد توفر مخرجاً مؤقتاً لأزمة صناعة السيارات الأوروبية، لكنها ليست حلاً جذرياً للمشكلة الهيكلية التي يعاني منها القطاع، والتي تكمن في ضرورة زيادة الاستثمار في الابتكار وتطوير تقنيات السيارات الكهربائية وخفض التكاليف الإنتاجية لتعزيز القدرة التنافسية عالمياً على المدى الطويل.

وقد أطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية موحدة للبطاريات تهدف إلى خفض تكاليف الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات الصينية، مع خطط لدعم إنشاء مصانع جديدة للسيارات الكهربائية في مختلف الدول الأعضاء. ويعتقد الخبراء أن هذه الخطوات ستكون الحل الفعلي لأزمة القطاع على المدى البعيد، حتى لو استفاد مؤقتاً من عقود الدفاع في المرحلة الانتقالية الحالية.