تشهد العلاقات بين باكستان وأفغانستان تصاعدا كبيرا في التوترات خلال الساعات الأخيرة، بعد إعلان إسلام آباد عن تنفيذ ضربات جوية ضد عشر مواقع داخل الأراضي الأفغانية، في خطوة وصفتها بأنها جزء من حقها الشرعي في الدفاع عن النفس ضد التهديدات المستمرة التي تتعرض لها عبر الحدود بين البلدين.
تصاعد التوتر الحدودي بين البلدين
زادت حدة التوتر بين باكستان وأفغانستان بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، حيث تتهم إسلام آباد حكومة طالبان الحاكمة في كابول بتمكين جماعات مسلحة من تنظيم هجمات دموية على أراضيها، أبرزها جماعة طالبان باكستان التي تشن هجمات انتحارية وعمليات عسكرية ضد القوات الباكستانية والمدنيين. وقد رفضت كابول مرارا هذه الاتهامات، مؤكدة إنها لا تستطيع السيطرة على كل الجماعات المسلحة المنتشرة على أراضيها، وإنها أيضا ضحية مستمرة من الإرهاب الذي يطال مختلف مناطق البلاد. وكانت هناك عدة مناوشات عسكرية صغيرة بين القوات الباكستانية والجماعات المسلحة على الحدود بين البلدين في الفترة الماضية، لكن هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها باكستان عن ضربات جوية واسعة النطاق داخل الأراضي الأفغانية.
السياق التاريخي للعلاقات الثنائية بين البلدين
شهدت العلاقات الباكستانية الأفغانية تقلبات كبيرة منذ عقود، بداية من فترة الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، حيث دعمت باكستان الجماعات المسلحة الأفغانية لمقاومة الاحتلال السوفيتي، مما خلق روابط وثيقة مع بعض الفصائل التي شكلت لاحقًا نواة حركة طالبان. وفي فترة حكم طالبان الأولى بين عامي 1996 و2001، كانت العلاقات متوترة بسبب دعم طالبان لجماعة طالبان باكستان التي كانت تنشط ضد الحكومة الباكستانية، مما أدى إلى توترات حدودية متكررة حتى سقوط حكم طالبان عام 2001 إثر الغزو الأمريكي لأفغانستان. وعادت التوترات لتتصاعد مجددًا بعد عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، بسبب فشل السلطات الأفغانية في السيطرة على نشاط الجماعات المسلحة التي تستهدف الأراضي الباكستانية.
تفاصيل الضربات الأخيرة التي أعلنت عنها باكستان
أعلن الجيش الباكستاني اليوم الخميس إنه وجه ضربات جوية دقيقة ضد عشر مواقع داخل أفغانستان، من بينها غارة جوية على مدينة قندهار جنوبي البلاد. وأكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني إن هذه الضربات استهدفت مخازن أسلحة ومعسكرات تدريب ومناطق لوجستية تابعة للجماعات المسلحة التي تخطط لتنفيذ هجمات على الأراضي الباكستانية، مشيرا إلى إنه تم تنفيذ الضربات بدقة عالية لتجنب إصابة المدنيين. وأضاف إن هذه الخطوة تأتي بعد فشل جميع الجهود الدبلوماسية والاتصالات الأمنية مع السلطات الأفغانية لوقف الهجمات التي تنطلق من الأراضي الأفغانية ضد باكستان، مؤكدا إن بلاده لن تتردد في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنها القومي في المستقبل إذا استمرت التهديدات.
ردود الفعل الأولية على الضربات الباكستانية
حتى الآن لم تصدر الحكومة الأفغانية بيانا رسميا رد على الضربات الأخيرة، لكن مصادر أفغانية محلية أكدت إن الغارة على قندهار أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، وهو ما نفته مصادر عسكرية باكستانية التي أكدت إن جميع الأهداف كانت عسكرية بحتة. أما على الصعيد الدولي، فقد أعربت العديد من العواصم الغربية عن قلقها البالغ من تصاعد التوتر بين البلدين، مؤكدة ضرورة احترام السيادة الأفغانية والبحث عن حل دبلوماسي سريع للأزمة لمنع انهيار الاستقرار في المنطقة. من ناحية أخرى، أكدت باكستان إنها لا تسعى إلى أي تصعيد عسكري، لكنها لن تسمح باستخدام أراضي أفغانستان كقاعدة لشن هجمات ضدها.
تأثير التصعيد على الشعبين الباكستاني والأفغاني
لا يقتصر تأثير التصعيد الحالي على الجانب السياسي والعسكري فقط، بل يمتد ليعاني منه مواطنو البلدين بشكل مباشر، ففي أفغانستان، أدت الغارات الجوية الأخيرة إلى زيادة معاناة المدنيين الذين يعانون بالفعل من نقص في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى نزوح مئات العائلات من المناطق المستهدفة. أما في باكستان، فإن استمرار الهجمات التي تنطلق من الأراضي الأفغانية يؤدي إلى خسائر في الأرواح بين المدنيين والقوات الأمنية، ويؤثر على الأنشطة الاقتصادية في المناطق الحدودية، فضلاً عن تزايد المخاوف بين اللاجئين الأفغان المقيمين في باكستان من تعرضهم للاعتقال أو الترحيل القسري في حال استمرار التصعيد.
تداعيات محتملة للتصعيد الحالي
يتوقع محللون سياسيون أن يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة حدة التوتر بين البلدين، مما قد يؤثر سلبا على العلاقات الثنائية التي كانت متوترة أصلا منذ وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021. كما أن التصعيد قد يزيد من معاناة الشعب الأفغاني الذي يعاني بالفعل من أزمة إنسانية واقتصادية حادة، فضلا عن مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان المقيمين في باكستان الذين يخشون من ردود فعل طالبان التي قد تؤثر على وضعهم القانوني والأمني. بالإضافة، فإن استمرار التوتر بين البلدين يهدد الاستقرار في منطقة جنوب آسيا بأكملها، ويجعل من الصعب تحقيق أي تقدم في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في أفغانستان التي تعاني منذ سنوات من النزاعات المسلحة.
