افتتاح المبادرة لدعم الصحة النفسية في الرياضة

شهدت العاصمة البريطانية لندن مؤخرا إطلاق دليل متكامل لمنع الانتحار موجه خصيصا لمجتمع الرياضة البريطاني، في حضور مجموعة من الشخصيات البارزة في المجال الرياضي والنشطاء المعنيين بالصحة النفسية، أبرزهم ديبى بيرد وأماندا ثورب، الزوجتان اللتان فقدتا أزواجهما بالانتحار، وقررتا تحويل معاناتهما الشخصية إلى قوة دفع لدعم الآخرين الذين يعانون من ضغوط نفسية في عالم الرياضة. وجاء إطلاق هذه المبادرة استجابة لإحصائيات رسمية تشير إلى أن معدلات الانتحار بين الرياضيين المحترفين السابقين في المملكة المتحدة أعلى بمرتين من المعدل العام في الفئة العمرية نفسها، ويعود السبب في ذلك إلى الضغوط النفسية الكبيرة التي يواجهها الرياضيون خلال مسيرتهم وبعد تقاعدهم، بالإضافة إلى غياب أنظمة دعم متخصصة تلبي احتياجاتهم النفسية.

قصتا ديبى بيرد وأماندا ثورب: معاناة خلف الكواليس

روت ديبى بيرد، زوجة لاعب الرغبي السابق جيم بيرد، قصة زوجها الذي عانى لسنوات طويلة من آلام مزمنة نتيجة الإصابات المتكررة التي تعرض لها خلال مسيرته الرياضية الاحترافية، والتي تطورت مع الوقت إلى اكتئاب حاد لم يتمكن من التغلب عليه رغم محاولاته للحصول على مساعدة نفسية، مما أدى إلى انتحاره في عام 2018. وقالت ديبى خلال الحفل: "لقد كنت أرى زوجي يعاني كل يوم، ولكن لم يكن هناك أي دعم متاح له في عالم الرياضة الذي كان جزءا منه طوال حياته، شعرنا بالعجز تماما عندما فقدناه".

أما أماندا ثورب، زوجة مدرب كرة القدم السابق مارك ثورب، فروت قصة زوجها الذي عانى من ضغوط هائلة نتيجة لاستبعاده من عمله كمدرب في نادٍ محلي عام 2020، بالإضافة إلى مشاكل مالية عديدة عانت منها الأسرة، مما أدى إلى دخوله في حالة اكتئاب شديدة انتهت بانتحاره بعد عدة أشهر. وأضافت أماندا: "الرياضة دائما ما تركز على القوة الجسدية والصلابة، ولا تعير أي اهتمام للصحة النفسية، وكأن الاضطراب النفسي علامة ضعف لا تليق بالرياضيين، هذا ما أدى إلى موت زوجي".

التحديات التي تحول دون حصول الرياضيين على الدعم النفسي

تشير الدراسات المتخصصة في الصحة النفسية الرياضية إلى أن أكبر عائق أمام حصول الرياضيين على المساعدة المطلوبة هو الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية في عالم الرياضة، الذي لا يزال يعامل طلب المساعدة النفسية كدليل على الضعف وعدم اللائق بالرياضيين المحترفين الذين يتوقعون منهم دائماً أن يكونوا أقوياء جسدياً ونفسياً. بالإضافة إلى ذلك، تغيب في معظم الأندية الرياضية البريطانية برامج دعم نفسي رسمية موجهة للاعبين والمدربين، ويخشى الكثير من الرياضيين من حالتهم النفسية خوفاً من تأثير ذلك على مسيرتهم المهنية، أو على فرصهم في الحصول على عقود جديدة، أو على سمعتهم بين الجمهور والزملاء. وتشير إحصائية نشرتها جمعية الصحة النفسية الرياضية البريطانية عام 2025 إلى أن 62% من الرياضيين الذين يعانون من أعراض اكتئاب أو اضطرابات نفسية أخرى لا يلجأون إلى طلب المساعدة خوفاً من هذه العواقب.

محتويات الدليل الجديد لمنع الانتحار

يتضمن الدليل الذي تم إطلاقه مجموعة من الإرشادات العملية الموجهة للمدربين ومسؤولي الأندية الرياضية واللاعبين أنفسهم، للتعرف على العلامات المبكرة للاضطراب النفسي والاكتئاب، وكيفية التعامل مع الحالات التي تظهر عليها هذه العلامات، بالإضافة إلى قائمة بأرقام الخطوط الساخنة للدعم النفسي المتاحة في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وكيفية توجيه الأشخاص الذين يعانون من ضغوط نفسية إلى المساعدة المناسبة. كما يتضمن قسم خاص موجه للرياضيين أنفسهم، يشجعهم على التحدث عن معاناتهم وعدم الخجل من طلب المساعدة النفسية. وتم تصميم الدليل ليكون متوفراً مجاناً على الموقع الرسمي للاتحاد الرياضي البريطاني، ويمكن تنزيله بسهولة من قبل أي شخص يعمل في المجال الرياضي، كما أنه متوفر بلغات متعددة بما في ذلك العربية لخدمة الجاليات المختلفة في البلاد. ويحتوي الدليل أيضاً على نماذج استبيانات سرية يمكن للأندية استخدامها لتقييم الحالة النفسية للاعبين بشكل دوري، دون الحاجة إلى كشف هوية الأشخاص الذين يجيبون عليها، مما يشجعهم على الإجابة بصدق عن مشاكلهم النفسية.

دعوة لتغيير الثقافة الرياضية تجاه الصحة النفسية

أكدت ديبى بيرد وأماندا ثورب أن إطلاق الدليل هو خطوة مهمة، ولكنها ليست كافية لوحدها، حيث دعتا إلى تغيير الثقافة السائدة في عالم الرياضة التي تعامل الصحة النفسية كموضوع محرم، وتشجع الرياضيين على إخفاء معاناتهم خوفا من أن يتم اعتبارهم ضعفاء. وأشارت ديبى إلى أن "الرياضيون يعانون من ضغوط هائلة، سواء كانت نتيجة للإصابات الجسدية، أو ضغوط المنافسة، أو المشاكل المالية الناتجة عن مسيرتهم الرياضية، ويجب أن يكون هناك دعم متاح لهم في جميع الأوقات، وليس فقط عندما يصل الأمر إلى كارثة". وذكرت ديبى وأماندا أنهما أسستا منظمة غير ربحية باسم "دعم الصحة النفسية في الرياضة" لتقديم دعم مباشر للرياضيين الذين يعانون من ضغوط نفسية، وتقديم استشارات نفسية مجانية لهم، بالإضافة إلى العمل على تعديل السياسات الرسمية للاتحادات الرياضية لجعل الدعم النفسي جزءاً أساسياً من الخدمات المقدمة للرياضيين المحترفين والهواة على حد سواء.

واختتمت أماندا ثورب كلمتها بالقول: "نحن لا نريد أن يفقد أي عائل آخر شخصا عزيزا عليهم بسبب الاكتئاب والانتحار، ونأمل أن تكون قصتنا تذكرة للجميع بأن الصحة النفسية مهمة تماما مثل الصحة الجسدية، ويجب أن نعطيها نفس القدر من الاهتمام".

خطوات مستقبلية لدعم الصحة النفسية في عالم الرياضة

أعلن فريق تطوير الدليل عن خطط مستقبلية لتوسيع نطاق المبادرة لتشمل جميع أنواع الرياضات الموجودة في المملكة المتحدة، وليس فقط الرياضات الشائعة مثل الرغبي وكرة القدم، بما في ذلك الرياضات الفردية والرياضات الموجهة للشباب والفتيات. كما سيتم عقد ورش عمل دورية للمدربين ومسؤولي الأندية لتدريبهم على التعرف على علامات الاضطراب النفسي وكيفية التعامل معها بسرية تامة، وسيتم جعل حضور هذه الورش شرطاً أساسياً للحصول على تراخيص العمل للمدربين والمسؤولين في الأندية الرياضية الرسمية. كما سيتم إطلاق حملات توعوية موجهة للجمهور الرياضي لكسر الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع الرياضيين على التحدث عن معاناتهم دون خوف من الحكم عليهم.