اقتراع جديد لاختيار مجلس النواب والحكومة المقبلة
يتوجه الناخبون المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب لولاية تمتد خمس سنوات، في انتخابات يشارك فيها 27 حزباً ويتنافس مرشحوها على 395 مقعداً. ويبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نحو 15.8 مليون ناخب، فيما تجاوز عدد المرشحين سبعة آلاف، وفق المعطيات الواردة في التقارير المتعلقة بالاستحقاق. ويأتي الاقتراع في سياق سياسي واجتماعي تبرز فيه قضايا المعيشة وفرص العمل والخدمات العمومية، بينما تسعى الأحزاب إلى استقطاب الناخبين، ولا سيما الشباب، عبر برامج ووعود انتخابية تركز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية. وتشكل نتائج الاقتراع أساساً لتشكيل الحكومة المقبلة وفق القواعد الدستورية المعمول بها في المملكة.
القدرة الشرائية والبطالة في صدارة اهتمامات الناخبين
تفرض الأوضاع الاقتصادية نفسها بقوة على الحملات الانتخابية، إذ تحضر القدرة الشرائية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية ضمن أبرز القضايا التي ينظر إليها الناخبون عند تقييم البرامج المعروضة عليهم. وتشير المعطيات الرسمية الواردة في التقارير إلى أن معدل البطالة بلغ 9.5 في المئة خلال الربع الثاني من عام 2026، بينما تظل البطالة بين الشباب من أكثر الملفات حساسية. وفي المقابل، شهد الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة نمواً واستثمارات في قطاعات مختلفة، إلا أن النقاش الانتخابي يركز على مدى انعكاس هذا النشاط الاقتصادي على فرص العمل والدخل والخدمات التي تصل إلى المواطنين. وتضع هذه القضايا الأحزاب أمام مطالب اجتماعية واقتصادية مباشرة. كما تحضر الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة ضمن أولويات الإنفاق التي يوليها المغاربة أهمية كبيرة، بحسب بيانات استطلاعات الرأي التي تناولت توجهات المواطنين. وتتنافس الأحزاب بشأن كيفية توسيع التغطية الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة ودعم الاستثمار والبنية التحتية، فيما ترتبط هذه الملفات بتوقعات الناخبين بشأن قدرة الحكومة المقبلة على معالجة الفوارق الاجتماعية وتحسين ظروف العيش. وتظهر البرامج الانتخابية اختلافات في طريقة صياغة الأولويات، بينما تتقاطع في عدد من العناوين الكبرى المرتبطة بالتشغيل والخدمات والحماية الاجتماعية.
أحزاب الأغلبية تراهن على التشغيل والإصلاحات الاجتماعية
تخوض أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال الانتخابات باعتبارها القوى التي شكلت الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته. وكان التجمع الوطني للأحرار قد حصل على 102 مقعداً في انتخابات 2021، مقابل 87 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة و81 مقعداً لحزب الاستقلال، قبل تشكيل الائتلاف الحكومي برئاسة عزيز أخنوش. وتطرح الأحزاب الثلاثة في برامجها الانتخابية ملفات تتعلق بتوسيع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وتعزيز الاستثمار وتحسين البنية التحتية، مع تركيز واضح على التشغيل. كما جعل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة توفير فرص العمل للشباب محوراً أساسياً في خطابهما الانتخابي، وتحدث الحزبان عن هدف توفير مليون فرصة عمل خلال الدورة البرلمانية المقبلة. وتأتي هذه الوعود في مواجهة مطلب اجتماعي متزايد بإيجاد وظائف مستقرة وتحسين الدخل، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الشابة. وفي البرامج المعلنة، يحضر كذلك التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ضمن الملفات الرئيسية، إلى جانب دعم الاستثمار وتطوير البنية التحتية. ويقدم حزب الاستقلال، إلى جانب شريكيه في الائتلاف، مقاربة تركز على مواصلة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، بينما تتنافس هذه الأحزاب على تجديد حضورها الانتخابي وتقديم حصيلتها وبرامجها أمام الناخبين.
المعارضة تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الحزبي
في الجهة المقابلة، يشارك حزب العدالة والتنمية في الانتخابات بهدف استعادة جزء من حضوره السابق، بعدما تراجع تمثيله في مجلس النواب من 125 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 13 مقعداً فقط. ويقدم الحزب برنامجاً يتناول الخدمات العامة والتشغيل والقدرة الشرائية والإصلاحات المؤسسية، في محاولة لإعادة طرح نفسه داخل المشهد البرلماني. وإلى جانبه، تشارك أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، إضافة إلى تحالف اليسار الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي. ويعكس هذا التنوع استمرار تعدد القوى الحزبية المشاركة في المنافسة على مقاعد مجلس النواب. وتبرز في المشهد الانتخابي كذلك مشاركة عدد كبير من المرشحين والمرشحات، مع حضور متزايد للخطاب الموجه إلى الشباب. وتفيد المعطيات المنشورة بأن عدد المرشحين يبلغ 7288، بينهم 2658 امرأة، بما يمثل 36.5 في المئة من مجموع المرشحين. ويجري الاقتراع وفق نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي، بما يسمح بتمثيل عدد من الأحزاب داخل المؤسسة التشريعية. ونتيجة لذلك، تظل الخريطة البرلمانية مرتبطة بتوزيع المقاعد بين قوى متعددة، وبالتحالفات التي يمكن أن تتشكل بعد إعلان النتائج وتحديد موازين القوى داخل المجلس.
الشباب وتراجع تأثير الأحزاب في قلب المنافسة
تحاول الأحزاب استقطاب الناخبين الشباب في وقت تشير فيه التقارير إلى وجود فجوة بين حجم هذه الفئة داخل المجتمع وحضورها في اللوائح الانتخابية. وتمثل الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً نحو 12 في المئة من سكان المغرب، بينما لا تتجاوز نسبتها بين الناخبين المسجلين ثلاثة في المئة وفق الإحصاءات الواردة في التقارير. كما أظهرت معطيات استطلاعية أن الثقة في البرلمان ورئيس الحكومة والأحزاب السياسية محدودة لدى شريحة من الشباب، الأمر الذي يجعل المشاركة الانتخابية إحدى القضايا الأساسية في هذا الاستحقاق. وتحاول الأحزاب معالجة هذا الوضع عبر ترشيح وجوه شابة وتقديم وعود مرتبطة بالتشغيل والسكن والخدمات. ويأتي هذا النقاش في سياق تراجع تأثير الأحزاب السياسية كما وصفته التقارير التي تناولت الانتخابات، مع استمرار اهتمام الناخبين بالقضايا المعيشية المباشرة. وتدفع هذه المعطيات القوى السياسية إلى التركيز على برامج قابلة للعرض أمام الناخبين، فيما يظل السؤال المرتبط بحجم المشاركة ومدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين حاضراً بقوة. وتشكل الانتخابات بذلك محطة لاختيار أعضاء مجلس النواب، وأيضاً لاختبار مستوى ارتباط المواطنين بالمؤسسات الحزبية والتمثيلية.
نتائج الاقتراع ستحدد ملامح المرحلة الحكومية المقبلة
يمنح الدستور المغربي الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب موقعاً أساسياً في عملية تشكيل الحكومة، إذ يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء المجلس. وبذلك ستحدد نتائج الاقتراع تركيبة مجلس النواب المقبل، كما ستفتح الطريق أمام تشكيل الأغلبية الحكومية وفق التوازنات التي ستفرزها صناديق الاقتراع. وتخوض الأحزاب المنافسة الانتخابات وهي تحمل برامج مختلفة في التفاصيل، لكنها تلتقي في عدد من الملفات التي تشغل المواطنين، وفي مقدمتها التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية. وبينما يركز الائتلاف الحكومي على مواصلة الإصلاحات وبرامج الاستثمار، تسعى قوى المعارضة إلى تعزيز حضورها داخل البرلمان وإعادة رسم خريطة التمثيل السياسي. ويجعل ذلك من نتائج الانتخابات محطة فاصلة في تحديد شكل الأغلبية البرلمانية والحكومة المقبلة، من دون أن يحسم ذلك مسبقاً مسار التحالفات السياسية التي ستتبلور بعد إعلان النتائج. ويظل حجم المشاركة الشعبية أحد المؤشرات التي ستلفت إليها الأنظار، خصوصاً في ظل النقاش حول علاقة الشباب بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة. ومع إعلان النتائج، ستتضح الخريطة الجديدة لمجلس النواب، وستبدأ مرحلة تشكيل الحكومة وتحديد الأولويات التي ستواجهها خلال السنوات الخمس المقبلة، وفي مقدمتها الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تصدرت الحملة الانتخابية.
