نجاح التجربة وتوسيع نطاق النشرات

بعد انطلاق المرحلة التجريبية لأداة النشرات الفضية في يناير 2025، حققت الأداة نتائج ملموسة دفعت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية إلى الإعلان عن تعميم استخدامها على جميع الدول الأعضاء خلال الفترة القادمة. وشهدت المرحلة التجريبية مشاركة اثنتين وثمانين دولة من مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتها إيطاليا، كما تم إصدار مائتين وستين نشرة فضية خلال الأشهر التسعة الأولى من التجربة. وأسهمت هذه النشرات في استرداد أصول ناتجة عن أنشطة إجرامية تقدر بنحو ستة وثلاثين مليون يورو، وهو ما اعتبرته المنظمة دليلاً قاطعاً على فعالية الأداة الجديدة في مواجهة التحديات المالية.

أكد نيكولاس كورت، مدير إدارة الجريمة المالية في الإنتربول، أن نتائج المرحلة التجريبية فاقت التوقعات الأولية للمنظمة، وأظهرت قدرة النشرات الفضية على دعم الجهود الرامية إلى مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وتعمل الأداة الجديدة كنظام تنبيهي فوري طوره الإنتربول بالتعاون مع الهيئات المالية والشرطية في الدول الأعضاء، بهدف تتبع الأموال والأصول المشتبه في ارتباطها بأنشطة إجرامية مثل غسل الأموال والتهريب والاحتيال المالي. ويسعى هذا التعاون المستمر إلى حماية الاقتصاد العالمي من المخاطر المتزايدة التي تفرضها شبكات الجريمة الدولية المنظمة عبر القارات المختلفة.

آلية التنبيه وتتبع الأصول المشبوهة

تتيح النشرات الفضية للسلطات في أي دولة إصدار تنبيه عند وجود أصول مشبوهة، بحيث ينتقل فوراً إلى أجهزة الشرطة والسلطات المالية في مختلف أنحاء العالم. ويسمح ذلك باتخاذ إجراءات سريعة مثل تجميد الأصول أو مصادرتها قبل أن يتمكن الجناة من تحويلها أو تهريبها خارج الحدود. وقد صمم النظام بما يتوافق تماماً مع القوانين الوطنية للدول الأعضاء، بهدف تسهيل تنفيذ التنبيهات وتقليل العوائق القانونية التي قد تعرقل التعاون بين الجهات المختصة في القضايا المالية المعقدة والخطيرة.

يعتمد النظام على سرعة تبادل المعلومات بين الجهات المعنية لمواجهة محاولات إخفاء الأموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة. وتستهدف الأداة تعزيز قدرة الدول على التعامل مع الجرائم المالية التي تتجاوز حدودها، من خلال توفير وسيلة مشتركة للتنبيه والتنسيق الدائم. كما يركز استخدامها على تتبع الأصول المرتبطة بجرائم غسل الأموال والتهريب والاحتيال المالي والجريمة المنظمة، بما يدعم جهود استرداد الممتلكات الناتجة عن تلك الأنشطة الإجرامية وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب القانوني المستحق.

التعاون الدولي في مواجهة الجرائم المالية

أوضح كورت أن الجريمة المنظمة لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة، إذ تستخدم الجماعات الإجرامية أنظمة مالية معقدة ومتعددة الطبقات لنقل الأموال الناتجة عن أنشطتها غير المشروعة عبر دول عديدة. وأكد أن التعاون الدولي السريع والفعال يمثل عاملاً أساسياً في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة. وأظهرت المرحلة التجريبية أن سرعة إصدار التنبيهات تلعب دوراً حاسماً في استرداد الأصول، لأن الجناة غالباً ما يسارعون إلى تحويل الأموال أو تهريبها فور بدء التحقيقات الرسمية لضمان سلامتهم.

كانت إيطاليا من أوائل الدول التي شاركت في المرحلة التجريبية، وسجلت أعلى نسبة لاسترداد الأصول خلالها. وتمكنت أجهزتها الأمنية من ضبط أصول بقيمة تقارب اثني عشر مليون يورو تابعة لشبكات دولية لتهريب المخدرات وغسل الأموال كانت تعمل بين أوروبا وشمال أفريقيا. وأشار المسؤولون الإيطاليون إلى أن النظام الجديد ساعد في تقليل وقت إصدار تنبيهات التعاون الدولي من أسابيع إلى ساعات معدودة، مما دعم بشكل كبير نجاح العمليات الأمنية في ملاحقة المجرمين.

توسيع الاستخدام لمجالات مالية إضافية

أعلن الإنتربول أن المرحلة المقبلة من استخدام النشرات الفضية ستتضمن توسيع نطاق تطبيقها ليشمل الجرائم المالية التقليدية، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بالاحتيال الإلكتروني وتمويل الإرهاب والتهريب الضريبي للشركات متعددة الجنسيات. كما ستتضمن الخطط تدريب أكثر من خمسة آلاف من الكوادر الأمنية والمالية في الدول الأعضاء على استخدام النظام باحترافية عالية. ويهدف ذلك إلى تحسين التكامل بين قواعد البيانات المالية الوطنية وقاعدة البيانات المركزية للإنتربول لمواجهة أي ثغرات محتملة.

يسمح تطوير قواعد البيانات بتعزيز القدرة على تتبع تحويلات الأموال المشبوهة في الوقت الفعلي، كما يعمل الإنتربول على توسيع قاعدة بيانات النشرات الفضية لتشمل معلومات عن أكثر من عشرة آلاف شخص وكيان مشتبه في ارتباطهم بأنشطة إجرامية مالية. وذكر كورت أن المنظمة تسعى إلى عقد شراكات استراتيجية مع البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية لضمان تبادل المعلومات بسرعة وأمان تام، مع الحفاظ الكامل على خصوصية البيانات المالية للأفراد وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة.

مستقبل النشرات وتعزيز التنسيق الأمني

تشير التقديرات الأولية للإنتربول إلى أن تعميم استخدام النشرات الفضية قد يؤدي إلى زيادة نسبة استرداد الأموال والأصول الناتجة عن الجريمة بنسبة لا تقل عن أربعين بالمئة خلال عام 2026 مقارنة بالسنوات السابقة. وكانت تلك السنوات تعتمد على طلبات التعاون القضائي التقليدية التي تحتاج إلى أسابيع أو أشهر لإتمامها بنجاح. ومن المتوقع أن يسهم النظام كذلك في تقليل تكاليف العمليات الأمنية للدول الأعضاء، وزيادة معدلات ضبط المتورطين في أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للقارات.

يرى الإنتربول أن توسيع استخدام النشرات الفضية يمثل خطوة أساسية ضمن استراتيجيته الشاملة لمكافحة الجريمة المالية العابرة للحدود. وقال كورت إن هذه الخطوة توجه رسالة واضحة وقوية للجماعات الإجرامية بشأن صعوبة إخفاء الأموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة. كما تعزز الجهود الدولية لمواجهة غسل الأموال والجريمة المنظمة، وهما من الظواهر التي أصبحت تشكل تحدياً حقيقياً للأمن العالمي والاستقرار الاقتصادي للدول. ويعتمد نجاح المرحلة المقبلة على استمرار التعاون الوثيق بين جميع الجهات المختلفة ذات الصلة.