تطور جديد في مكافحة الجريمة المنظمة عالمياً

أعلن التنظيم الدولي للشرطة الجنائية (الإنتربول) مؤخراً عن خططه لتوسيع استخدام أداة مبتكرة لملاحقة الأموال والأصول الناتجة عن الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهي ما تعرف باسم النشرات الفضية، وذلك بعد النتائج الملموسة التي حققتها المرحلة التجريبية الأولى للآلية التي انطلقت في يناير 2025 وأسفرت عن استرداد أصول تقدر بنحو 36 مليون يورو بمشاركة 82 دولة من مختلف أنحاء العالم.

وجاء هذا الإعلان خلال الاجتماع السنوي لمجلس إدارة الإنتربول الذي عقد في ليون بفرنسا، بحضور ممثلين عن 150 دولة عضو، لاستعراض نتائج المرحلة التجريبية واستشراف الخطوط المستقبلية لهذا النظام الجديد الذي يهدف إلى سد فجوة كبيرة في ملاحقة أموال الجريمة المنظمة عبر الحدود.

نتائج مبهرة للمرحلة التجريبية

وشاركت في المرحلة التجريبية الأولى 82 دولة من أعضاء الإنتربول في مقدمتها إيطاليا، حيث تم إصدار 260 نشرة فضية خلال فترة التجربة التي استمرت عدة أشهر، واستهدفت تتبع أصول ناتجة عن أنشطة إجرامية متنوعة تشمل الاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والاحتيال المالي العابر للحدود.

وأكد نيكولاس كورت مدير وحدة مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم المالية في الإنتربول أن النتائج التي تحققت فاقت كل التوقعات، مشيراً إلى أن هذه الآلية سدت فجوة كبيرة كانت تعاني منها أجهزة إنفاذ القانون في مختلف الدول عند تتبع الأصول الإجرامية التي تنقل عبر حدود متعددة بسرعة كبيرة، مما كان يتيح للمجرمين إخفاء مصادر أموالهم وتجنب مصادرتها.

آلية عمل النشرات الفضية

وتختلف النشرات الفضية عن النشرات الحمراء التقليدية التي يصدرها الإنتربول لملاحقة المطلوبين على مستوى العالم، حيث صممت خصيصاً لتتبع الأموال والأصول المنقولة عبر الحدود، سواء كانت حسابات بنكية أو عقارات أو سلعاً ثمينة أو أصولاً رقمية، بما يوفر لأجهزة الأمن أداة دقيقة لتعقب التدفقات المالية المشبوهة في الوقت الفعلي.

وعند إصدار نشرة فضية من قبل دولة عضو، توزع فوراً على جميع الدول الأعضاء في الإنتربول مع طلب تجميد الأصول المشتبه في أنها ناتجة عن أنشطة إجرامية، وتبادل المعلومات حول حركة هذه الأصول بشكل فوري، مما يمنع المجرمين من نقل أموالهم إلى دول أخرى قبل أن تتمكن السلطات من مصادرتها.

تعاون الدول الأعضاء وآلية التنسيق بين الأجهزة الأمنية

وجرت خلال المرحلة التجريبية إنشاء منصة رقمية موحدة للتنسيق بين أجهزة إنفاذ القانون في الدول المشاركة، إضافة إلى عقد اثنتي عشرة ورشة تدريبية ضمت أكثر من 1200 ضابط أمني ومالي، لتدريبهم على كيفية إصدار النشرات الفضية والاستجابة لها وتبادل المعلومات بشكل آمن وسريع دون مخالفة القوانين المحلية للدول الأعضاء.

كما وضع بروتوكول تعاون مشترك مع ثلاثين منظمة مالية دولية وجهة رقابية مالية، لضمان سرعة تنفيذ أوامر تجميد الأصول عند إصدار النشرات الفضية، وتقليص الفترة الزمنية اللازمة لتنفيذ الإجراءات من عدة أسابيع إلى ساعات معدودة فقط، وهو ما انعكس إيجاباً على فعالية العمليات المشتركة.

خطط التوسع وتطوير النظام

ويعتزم الإنتربول خلال الفترة القادمة رفع عدد الدول المشاركة في نظام النشرات الفضية إلى جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 196 دولة، كما سيحدَّث النظام ليشمل تتبع الأصول الرقمية مثل العملات المشفرة التي أصبحت أداة مفضلة لدى المجرمين لغسل الأموال وتحويلها عبر الحدود دون رصد.

ومن المخطط أيضاً إطلاق ميزة التنبيه الآلي في النظام، التي تقوم بمسح جميع التحويلات المالية العابرة للحدود وإرسال تنبيه فوري للسلطات المالية في الدول المعنية إذا تطابقت بيانات التحويل مع معايير النشرات الفضية، مما يزيد من سرعة الاستجابة للتحركات المشبوهة للأموال ويعزز الرقابة المالية الدولية.

أثر التوسع على مكافحة الجريمة العابرة للحدود

ومن المتوقع أن يساهم التوسع في استخدام النشرات الفضية في تقليص قدرة الجماعات الإجرامية المنظمة على الحفاظ على عوائد أنشطتها غير المشروعة، خاصة أن هذه الجماعات تعتمد بشكل كبير على نقل الأصول عبر الحدود لإخفاء مصدرها وتجنب مصادرتها من قبل السلطات المختصة في مختلف الدول.

ووفقاً لتقديرات خبراء مكافحة الجريمة المالية في الإنتربول، يتوقع أن يقلل النظام من حجم الأموال المغسولة سنوياً بنسبة تصل إلى 25 بالمئة خلال السنوات الخمس الأولى من تطبيقه الكامل، بما يوفر مبالغ ضخمة للاقتصادات العالمية ويقلل من قدرة هذه الجماعات على تمويل أنشطتها الإجرامية والإرهابية على المستوى الدولي.