لم يعد الصراع المسلح في منطقة الشرق الأوسط يعتمد فقط على الأسلحة التقليدية والجنود، بل دخلت تقنيات حديثة كالذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي يحدد مسارات المعارك ونتائجها، وفقاً لتقارير استخباراتية غربية تم تداولها مؤخراً.

استخدامات متعددة عبر النزاعات المسلحة

تشير المصادر إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في صراعات المنطقة يتخذ أشكالاً متعددة، تختلف باختلاف طبيعة كل نزاع. ففي اليمن، تراقب وكالات الاستخبارات محاولات جماعة الحوثي لتطوير أسلحة ذكية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تتيح لها استهداف مواقع عسكرية بدقة أعلى، رغم الصعوبات التقنية التي تواجهها الجماعة بسبب الحظر المفروض عليها. وقد أكدت تقارير حديثة أن الجماعة نجحت في استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي بسيطة لتحسين دقة صواريخها الباليستية الموجهة ضد أهداف عسكرية ومدنية في دول الجوار خلال العامين الماضيين.

أما في السودان، حيث تشتعل حرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، فقد كشف تقرير لمركز أبحاث أمريكي عن استخدام كلا الطرفين لحملات تأثير موجهة مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تشويه سمعة الطرف الآخر دولياً، وتجنيد مقاتلين جدد، ونشر معلومات مضللة على منصات التواصل الاجتماعي. وقد استهدفت هذه الحملات منصات TikTok وX تويتر سابقاً، ونشرت فيديوهات مزيفة تظهر انتصارات وهمية للطرف المستخدم للذكاء الاصطناعي.

توظيف إسرائيل للتقنيات الذكية في غزة ولبنان

أما في قطاع غزة وجنوب لبنان، فتستخدم إسرائيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها الاستخباراتية لتحليل بيانات الأقمار الصناعية وتسجيلات كاميرات المراقبة، بهدف تحديد مواقع التحصينات العسكرية والتحركات المسلحة. وتساعد هذه التقنيات على تحديد أماكن أنفاق المقاومة تحت سطح قطاع غزة باستخدام تقنيات رادارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يساعدها على تحسين دقة ضرباتها وتقليل الخسائر المدنية، وفقاً لتصريحات مسؤولين إسرائيليين.

وقد أثار هذا التوظيف الواسع للذكاء الاصطناعي في عمليات الرصد والاستهداف تساؤلات واسعة لدى منظمات حقوق الإنسان بشأن مدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بتمييز الأهداف العسكرية عن المدنية. وطالبت هذه المنظمات بضمان وجود رقابة بشرية حقيقية على القرارات المرتبطة بالاستهداف، وعدم ترك القرار النهائي لخوارزميات قد تخطئ في تقديرها.

ردود الأطراف المعنية على هذه الاستخدامات

لم تتقبل جميع الأطراف الاتهامات الموجهة إليها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراعات. فقد نفت جماعة الحوثي مراراً أي محاولات لتطوير أسلحة ذكية، مؤكدة أن ما لديها من أسلحة هو من أنواع تقليدية محلية الصنع. غير أن خبراء في مجال الأسلحة أكدوا وجود أدلة ملموسة على استخدام الجماعة لأنظمة توجيه ذكية في هجماتها على سفن تجارية في البحر الأحمر خلال عام 2024.

أما في السودان، فقد اتهم كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بعضهما البعض بالتعاون مع جهات أجنبية لاستخدام حملات التأثير بالذكاء الاصطناعي لتضليل الرأي العام المحلي والدولي. وقد طالبت منظمات حقوق الإنسان دول الجوار بفرض رقابة على هذه الحملات لمنع تصاعد العنف الطائفي نتيجة نشر المعلومات المضللة، فيما نفت حركة حماس استخدامها لأي تقنيات ذكاء اصطناعي في عملياتها العسكرية.

تداعيات مستقبلية مقلقة

يحذر خبراء في مجال الأمن السيبراني من أن سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط سيزيد من حدة الصراعات القائمة، وقد يؤدي إلى انتشار أسلحة ذاتية التشغيل تعمل دون رقابة بشرية مباشرة، مما يزيد من خطر سقوط خسائر مدنية غير متعمدة. كما أن استخدام هذه التقنيات في حملات التأثير سيزيد من انقسام المجتمعات ويصعب من مهمة التحقق من صحة المعلومات المنشورة.

ويشير الخبراء إلى أن هذه الحملات قد استخدمت بالفعل لزرع الفتن بين الفئات المختلفة في كل من السودان واليمن ولبنان، مما أدى إلى اندلاع مواجهات قبلية وطائفية في بعض المناطق. ويطالب هؤلاء الخبراء المجتمع الدولي بوضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، لمنع تحول هذه التقنية التي صممت في الأساس لخدمة البشرية إلى أداة لتدميرها.

جهود دولية لتنظيم الاستخدام العسكري

تجرى حالياً مباحثات مكثفة في إطار الأمم المتحدة لوضع اتفاقية دولية ملزمة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، تمنع تطوير واستخدام الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل التي تعمل دون رقابة بشرية، وتفرض عقوبات صارمة على الأطراف التي تستخدم هذه التقنيات في حملات تضليل ضد المدنيين.

غير أن مفاوضات هذه الاتفاقية تواجه معارضة من عدة دول كبرى ترغب في الاحتفاظ بحق تطوير هذه التقنيات لأغراض عسكرية، بالإضافة إلى عدم وجود إرادة سياسية لدى العديد من الدول الإقليمية للالتزام بهذه القواعد، مما يعيق التوصل إلى اتفاق نهائي في الوقت الحالي. ويبقى الرهان قائماً على قدرة المجتمع الدولي على تجاوز هذه الخلافات قبل أن تتفاقم آثار الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي في المنطقة.