تتصدر ملف العلاقات الصينية الإيرانية أجندة القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في العاصمة واشنطن يوم الخميس المقبل، وذلك في أعقاب كشف تقرير استخباراتي أمريكي عن استمرار وصول أكثر من 1300 شحنة من المكونات الصينية القابلة للاستخدام في تصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الهجومية إلى وزارة الدفاع الإيرانية، ما أثار موجة من التساؤلات حول مدى التزام بكين بالعقوبات الدولية المفروضة على طهران، ومدى تأثير هذه الشحنات على استقرار المنطقة.
تفاصيل التقرير الاستخباراتي والشحنات المسربة
أوضح التقرير الذي كشفته مصادر أمريكية رسمية أن هذه الشحنات تتضمن مكونات إلكترونية دقيقة، وأجزاء لمحركات طائرات مسيرة، ومواد يمكن استخدامها في تطوير أنظمة توجيه الصواريخ الباليستية، وأنها كانت تتسلل إلى إيران عبر طرق تجارية غير مشروعة، مستغلة ثغرات في أنظمة مراقبة الصادرات الصينية، رغم أن بكين تؤكد دائما التزامها بالعقوبات الدولية. كما أوضح التقرير أن هذه الشحنات وصلت مباشرة إلى وزارة الدفاع الإيرانية، وليس إلى جهات مدنية، مما يؤكد أنها موجهة لبرامج عسكرية. وذكرت المصادر أن هذه الثغرات تعود جزئيا إلى ضعف الرقابة على الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة التي تقوم بتصدير هذه المواد تحت ستار سلع مدنية، مما يصعب على السلطات الصينية تتبع جميع عمليات التصدير.
الضغوط الأمريكية على بكين قبل القمة
تواصل الإدارة الأمريكية ممارسة ضغوط دبلوماسية على الجانب الصيني في الأسابيع الأخيرة، مطالبة إياه بتقديم توضيحات حول هذه الشحنات، واتخاذ إجراءات صارمة لمراقبة صادراتها إلى إيران، وضمان عدم وصول أي مواد يمكن استخدامها في البرامج العسكرية الإيرانية. وتعتبر الولايات المتحدة أن استمرار هذه الشحنات يعد خرقا للعقوبات الدولية، ويهدد أمن المنطقة، خاصة في ظل توترات متصاعدة بين إيران ودول الخليج، وتصاعد الهجمات التي تشنها طائرات مسيرة إيرانية الصنع على منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية والإمارات في الفترة الماضية. وقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على عشرات الشركات الصينية المتورطة في تهريب مواد إلى إيران في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه العقوبات لم تمنع استمرار عمليات التهريب على نطاق واسع.
ردود الفعل الرسمية من بكين وطهران حيال التقرير الاستخباراتي
وقد ردت وزارة الخارجية الصينية على مزاعم التقرير الأمريكي بالقول إن بلادها تلتزم التزاما تاما بالعقوبات الدولية المفروضة على إيران، ونفت أي علاقة لها بالشحنات المزعومة، معتبرة أن هذه المزاعم مجرد ذريعة للولايات المتحدة لفرض مزيد من الضغوط على بكين في ملفات أخرى خلافية. أما الجانب الإيراني فقد نفت بدوره هذه المزاعم جملة وتفصيلا، مؤكدا أن جميع وارداته من الصين هي مواد مدنية تستخدم في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، ولا علاقة لها بالبرامج العسكرية، واتهمت الولايات المتحدة بتلفيق هذه التقارير لتبرير سياساتها العدائية ضد إيران.
تداعيات الخبر على الجهود الدبلوماسية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني
يأتي كشف هذه الشحنات في وقت تسعى فيه الجهود الدبلوماسية الدولية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني المعلق منذ انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، حيث تعتبر واشنطن أن استمرار إيران في تطوير برامجها العسكرية، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية، يعد عائقا أمام إعادة التفاوض على الاتفاق. كما أن هذا الخبر يزيد من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وينذر بتصعيد عسكري محتمل في المنطقة، خاصة في ظل تحركات عسكرية أمريكية متكررة في مياه الخليج. ويرى محللون دوليون أن استمرار هذه الشحنات يقوض ثقة الدول الأوروبية في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، خاصة أن هذه الدول هي طرف في الاتفاق الأصلي.
توقعات حول نتائج القمة بشأن هذا الملف
من المتوقع أن يطرح الرئيس ترامب هذا الملف بشكل أساسي خلال مباحثاته مع الرئيس شي، حيث سيطالب الجانب الأمريكي بتعهدات واضحة من بكين بوقف أي صادرات يمكن أن تصل إلى إيران لاستخدامها في البرامج العسكرية، وفرض عقوبات على الشركات الصينية المتورطة في هذه الشحنات. ومن المتوقع أن يرفض الجانب الصيني هذه المطالب، مؤكدا على حق إيران في الدفاع عن نفسها، وأن الصادرات الصينية إلى إيران مشروعة ولا تنتهك العقوبات الدولية. ويأتي هذا الملف في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الصينية توترات غير مسبوقة على جبهات متعددة، أبرزها الخلافات التجارية التي فرضت فيها الولايات المتحدة رسوما جمركية على سلع صينية بقيمة مئات المليارات من الدولارات، والخلافات التكنولوجية حول شركة هواوي، بالإضافة إلى الملف السياسي المتعلق بتايوان الذي تعتبره الولايات المتحدة نقطة توتر رئيسية مع بكين. وهو ما يجعل من مفاوضات ملف إيران واحدة من النقاط القليلة التي قد تشهد نوعا من التقارب بين الجانبين، إذا تمكن ترامب من الحصول على ضمانات جدية من شي جين بينغ بشأن مراقبة الصادرات إلى إيران. وسيكون لهذا الملف تأثير كبير على مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، التي تشهد بالفعل توترات كبيرة بسبب الخلافات التجارية والتكنولوجية والسياسية حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. وسواء توصل الطرفان إلى اتفاق بشأن هذا الملف أو لم يتوصلا، فإن نتائج القمة ستكون مؤشرا واضحا على مستقبل التعامل مع البرنامج العسكري الإيراني، ومدى قدرة المجتمع الدولي على فرض عقوبات فعالة لضمان أمن المنطقة في الفترة القادمة.
