النشأة المبكرة ورحلة تولي الزعامة

انبثق مسار عبد الملك الحوثي من بيئة دينية واجتماعية في محافظة صعدة شمالي اليمن، حيث نشأ في كنف والده بدر الدين الحوثي الذي أسس في تسعينيات القرن الماضي حركة أطلق عليها اسم «الشباب المؤمن». حملت تلك الحركة في بداياتها خطاباً يرفض التهميش الذي يعاني منه أبناء المناطق الشمالية، ويعارض التحالف مع الولايات المتحدة خلال حرب أفغانستان عام 2001، مع تقديم خدمات تعليمية واجتماعية للسكان المحليين أسهمت في اكتسابها قاعدة شعبية واسعة في أوساط القبائل.

شكل مقتل شقيقه الأكبر حسين الحوثي على يد القوات اليمنية عام 2004 نقطة تحول جوهرية في مسيرته، إذ تولى زعامة الحركة خلفاً له وقادها في سلسلة من المواجهات التي عُرِفت لاحقاً باسم «حروب صعدة الست» ضد الحكومة اليمنية آنذاك. انتهت تلك الجولات باتفاقيات هدنة برعاية قطرية استمرت حتى عام 2010، لكنها لم تحسم الصراع نهائياً، بل أرست الأرضية التي ستنطلق منها الحركة لاحقاً نحو توسيع نطاق سيطرتها الميدانية.

التمدد العسكري والسيطرة على العاصمة صنعاء

مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، دعمت الحركة الاحتجاجات الشعبية التي طالبت برحيل الرئيس علي عبد الله صالح، غير أنها لم تندمج في العملية السياسية الانتقالية بشكل كامل، بل واصلت تعزيز ترسانتها العسكرية وتجنيد مزيد من المقاتلين في المناطق الجبلية الحصينة. أتاح ذلك للحوثيين التفوق التدريجي على خصومهم المحليين، وقادهم إلى فرض واقع جديد على الأرض يصعب تجاوزه عبر المفاوضات السياسية.

بلغ هذا التمدد ذروته في عام 2014 حين سيطرت الحركة على العاصمة صنعاء بعد مفاوضات فاشلة مع الرئيس عبد ربه منصور هادي، ثم توسعت بعد ذلك لتفرض هيمنتها على معظم محافظات الشمال والغرب، ومن بينها الحديدة وتعز وإب. دفع هذا التوسع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى طلب تدخل عسكري، فتشكل تحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية عام 2015 في محاولة لوقف زحف الحركة واستعادة مؤسسات الدولة الشرعية.

التدخل الإقليمي والأزمة الإنسانية المتفاقمة

شن التحالف العربي حملة عسكرية مكثفة استمرت لسنوات في مختلف الجبهات، غير أن نتائجها لم تحسم الصراع كما كان مرجواً، بل أنتجت واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص، أي ما يعادل ثمانين في المئة من إجمالي السكان، باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة تتراوح بين الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة.

في السياق ذاته، نزح أكثر من أربعة ملايين يمني عن مناطق القتال في مختلف المحافظات، فيما تدهورت الخدمات الأساسية والبنية التحتية بشكل كبير جراء استمرار العمليات العسكرية. مثّل هذا الوضع ضغطاً متزايداً على المنظمات الدولية المانحة، التي دعت مراراً إلى إيجاد حل سياسي شامل ينهي معاناة المدنيين، في وقت ظلت الجهود الدبلوماسية تراوح مكانها.

هجمات البحر الأحمر وتداعياتها على التجارة العالمية

انخرطت الحركة تحت زعامة عبد الملك الحوثي، بدءاً من أكتوبر عام 2023، في سلسلة من الهجمات على الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، معلنةً أن ذلك يأتي في إطار دعم الفلسطينيين خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة. أثارت هذه العمليات اضطراباً واسعاً في خطوط التجارة البحرية العالمية، إذ اضطرت شركات شحن كبرى إلى تغيير مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح.

أدى ذلك إلى ارتفاع كلفة النقل والتأمين البحري، وإلى تفاقم التوترات الإقليمية والدولية في منطقة حساسة تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية. ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتشكيل عمليات بحرية مشتركة لردع هذه الهجمات وحماية السفن التجارية، في تصعيد جعل الأزمة في اليمن تتحول إلى نقطة اشتعال إضافية تتداخل فيها الملفات الفلسطينية والإقليمية والدولية بشكل معقد.

التصنيف الدولي والعقوبات والعلاقات الإقليمية

صنفت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى عبد الملك الحوثي وحركته على قوائم المنظمات الإرهابية، فيما تفرض الأمم المتحدة عقوبات على الحركة منذ عام 2014 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الأنشطة العسكرية التي تهدد استقرار المنطقة. كما شملت العقوبات الأمريكية والأوروبية تجميد أصول ومنع سفر عدد من كبار قادة الحركة في إطار الضغط الدولي الرامي إلى دفعها نحو الانخراط في تسوية شاملة.

يرتبط الحوثيون بعلاقة وثيقة مع إيران التي تقدم لهم دعماً عسكرياً يشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وهو ما يغذي اتهامات بالتبعية لطهران رغم نفي الحركة المتكرر لذلك. تمنح هذه العلاقة الحوثيين عمقاً استراتيجياً إقليمياً، غير أنها تزيد في المقابل من تعقيد أي مسار تفاوضي، إذ تتداخل أجندات إقليمية متنافسة حول النفوذ في المنطقة.

مفاوضات السلام المتعثرة والآفاق المستقبلية

لا يزال عبد الملك الحوثي يمسك بزمام السيطرة على معظم المناطق الشمالية من اليمن، ويشارك في جولات مفاوضات متقطعة برعاية الأمم المتحدة مع الحكومة اليمنية والتحالف العربي، رغم الاتفاقات الجزئية التي أُبرمت في ملفات إنسانية محدودة، فإن التوصل إلى تسوية سياسية شاملة لا يزال بعيد المنال في ظل غياب الثقة المتبادلة وتباين الرؤى بشأن مستقبل الدولة.

وثقت منظمات حقوقية دولية من قبيل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية سلسلة من الانتهاكات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة، شملت الاعتقال التعسفي للمعارضين والصحفيين وتجنيد الأطفال وفرض ضرائب غير شرعية على السكان. تظل هذه الملفات عائقاً إضافياً أمام أي مصالحة وطنية، فيما يبقى مستقبل اليمن رهناً بتوازنات معقدة بين القوى المحلية والإقليمية، ويمثّل دور الحوثي فيها العامل الأكثر تأثيراً على رسم ملامح المرحلة المقبلة.